vendredi 19 octobre 2012

رسالة في العنف وقسوة القلب

ظللت إلى هذا العمر أعتقد أنّ التونسي مسالم لا يقوى على قتل ذبابة، مجبول على كره العنف، يصرّف غضبه صراخا ومزايدات كلامية... ولم تكن مشاكسات صديقي الجزائري، ذلك الأديب اللائذ بتونس في بداية تسعينات القرن الماضي بعدما صار مهدّدا في حياته من الجماعات الإسلامية المسلّحة، تستفزّني حين كان يقول لي كلّما حضرنا معركة في الشارع، "أنتم التوانسة عندكم غير الهدرة بالزّاف (كثرة الكلام) وخلاص، أحنا في الدزاير
"
on, on ne perd pas notre temps passe directement à l'acti".
وعلى عكس ما يتوقّعه منّي كردّة فعل، كنت أعبّر له عن فخري بكوننا
مسالمين وغير ميّالين إلى العنف. وأنّ ما يعتبره "كثر الهدرة" هو على أيّة حال أهون من العنف الجسدي، بل لعلّه شكل جنيني من الحوار يحتاج التهذيب والتطوير. لكنّ صديقي الجزائري كان يكتفي بالقول وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة هازئة "بل إنّه شكل جنوني من الحوار". ونقف عند ذلك الحدّ من النقاش ونهرب إلى موضوع ودّي لأنّ واجب التحفّظ من جهته وواجب الضيافة من جهتي يمنعاننا من التوغّل أكثر تجنّبا للإحراج.
كنت دائما أستغرب كيف تسوّل للبوليس نفسه أن يهوي ب"ماتراكه" بكلّ وحشية على جمجمة متظاهر هارب. وأنا لا أفهم كيف يلين قلب نفس ذلك البوليس لمّا يعود إلى بيته ويقرّر زيارة جاره المريض. هكذا كنت ولا أزال. ضعيف القلب، شديد التأثّر بمنظر العنف. كم معركة خسرتها في طفولتي رغم أنّني أكون مسيطرا على خصمي وجاثما فوقه شالاّ حركته بالكامل. لكنّ القلب الملعون يمنعني أن أنهي المعركة لصالحي بتوجيه لكمة عمياء على الوجه الطريّ لخصمي. وأقرّر في داخلي أنّه لا حاجة لتعنيف خصمي وإلحاق الألم به طالما أنّ تفوّقي عليه بيّن وجليّ. ولكنّني حالما أتنحّى عنه يفاجئني من الخلف فيسقطني أرضا ويدميني قالبا هزيمته إلى نصر مسروق. ويزيد شقيقي الأكبر فيعاقبني لمّا أعود إلى البيت مهزوما دون أن آخذ حقّي بيدي... كنت دائما أتعمّد إخطاء المرمى في رشق "العدوّ" بالحجارة أثناء "حروب الأحياء" التي كنّا نخوضها نحن الأطفال في سهرات رمضان، مقلّدين جيوش الفاتحين المسلمين التي تعرضها مسلسلاتنا وقت الإفطار.
آه يا صديقي الأديب الجزائري، لقد تغيّر التونسيون وصارت لهم قلوب حجرية. والواقع أنّ تغيّرهم لم يفاجئني إلى هذا الحدّ. لكنّه العناد يمنعني من تصديق ما يحصل. فقد كانت المؤشّرات ماثلة أمام أعيننا من زمن ولم نكن نريد أن نراها... ولعلّ أهمّها ذلك العنف اللفظي والمهاترات التي كنت تعيبها علينا. قبل 14 جانفي كنت شاهدا على مواجهة دامية بين مجموعتين من الشباب استعملت فيها القضبان والسلاسل والهراوات وسالت فيها الدّماء... هل تعرف أين؟؟ في رحاب الجامعة، نعم في رحاب الجامعة حيث يفترض أن تكون الكلمة هي الفيصل... وللحظة تردّدت بعدما أغرتني فكرة غضّ البصر ومواصلة السّير كأنّني لم أر شيئا... لكنّ قوّة داخلية أمرتني بالتوقّف للتدخّل وليكن ما يكون... صحت فيهم "توقّفوا، قلت لكم توقّفوا يا وحوش، أنا أستاذ بالمعهد المجاور لكليّتكم، توقّفوا فورا فهذا لا يليق بالجامعة وبالطّلبة". ورغم أنّ حجارة أصابتني في ركبتي جعلتني أعوي وأختبأ وراء سيارة لم يبق فيها بلّور واحد سليم فإنّ المعركة تواصلت... وحرت كيف أشرح لطلبتي الذين هبّوا لنجدتي أنّني ما بكيت بتلك الغصّة والدموع الحرّى من ألم الإصابة، ولكن لما وصل إليه شباب تونس المتعلّم. قرأت في عيونهم مزيجا من الشفقة والاستخفاف بهذا الأستاذ الذي أبكته إصابة بحجرة لم تخلّف أثرا يذكر. فالرّجل في عرفنا لا يبكي. في العام الفارط، وكانت كلّية الآداب بجانبنا تغلي كالقدر، نلنا نصيبنا من الهلع والعنف. ذات عشيّة، شرّفنا سلفيون لا نعرفهم بعدما أنزلوا علم تونس من فوق مدخل الكلية المجاورة وانتشروا في ساحة معهدنا صائحين "الله أكبر" كما لو كانوا فاتحين، فكسروا رجل طالبة ومنعوا سيّارة الحماية المدنية من إسعافها... ماذا تريدني أن أخبرك أكثر يا جاري... ها قد قست قلوبنا وصرنا لا نضيع وقتنا الضائع أصلا في الهدرة. صرنا نمرّ مباشرة إلى الفعل. مجلاّت الأطفال عندنا صارت تنشر مقالات ورسوما عن كيفية صنع الكوكتال مولوتوف... ورياض الأطفال صارت تعلّم النشء أناشيد عن الاستشهاد. أليس الطّفل الشهيد عصفور جنّة، والجنّة تحتاج منهم الكثير الكثير؟؟ صار حرس المقدّسات يحرقون منازل الناس الآمنين لأنّهم خصوم فكريون وسياسيون. وانطلقت حملات التطهير تحت رعاية لجان حماية الثورة... صرنا نؤدّب النّاس حتّى الموت... صار بعضنا يهوي على بعض بالسيوف وبقضبان الحديد في غير رحمة ولا شفقة... أرى البعض يشحذ سكاكين العيد لا لذبح الخرفان فقد ندرت وصارت أغلى من الإنسان عندنا، ولكن لذبح الخصوم الفكريين... البارحة سجّلنا أوّل قتيل في مواجهة شارعية بين طرفين سياسيين، لا دخل للبوليس أو الجيش فيها.
أمّا أنا، فمازلت أحنو على القطط والكلاب المشرّدة ليلا. ومازلت أنثر فتات الخبز لأستدرج الحمام إلى شرفتي كي يؤنس وحدتي بهديله. ومازلت أؤمن أنّ ملء تلك الحفرة الصغيرة فوق قبر أمّي بالماء يطفئ ظمأ العصافير ويجلب لوالدتي الرّحمة. ومازلت أنفخ على النّمل لأبعده عن مجلسي دون إذايته. ومازلت أقلّد الفرنسيين في كبح جماح غضبي بمخاطبة نفسي بصوت عال أمام طلبتي
"Bon, arrête Jalel, ne sois pas con, calme-toi" ومازالت "كميتي" شعرا لدرويش ودندنة مكتومة تجنّبا للنّشاز الصوتي
. ولا أستبعد أن أردّ لك الزيارة في الجزائر لنفس الأسباب التي جعلتك تأتي إلى تونس في بداية التسعينات من القرن الماضي...