jeudi 15 novembre 2012

حول الزيادات في أجور الجامعيين: اتفاق تاريخي أم قشرة موز زلاّقة؟


تسارع نسق المفاوضات بين الجامعة العامّة للتعليم العالي والبحث العلمي من جهة ووزارة الإشراف من جهة ثانية بشكل ينبأ بقرب التوصّل إلى اتفاق حول زيادات غير مسبوقة في أجور مختلف الأسلاك والرّتب الجامعية. وكانت أنباء قد تمّ تسريبها في بداية شهر نوفمبر عن المقادير المقترحة من كلا الطرفين قد أدّت إلى احتقان في صفوف التكنولوجيين والمساعدين والمبرّزين الذين اعتبروا المفاوضات تتجه نحو تسليط حيف جديد عليهم والتنكّر لما يبذلونه من جهود، ممّا أدّى إلى دخول التكنولوجيين في إضراب عشوائي طال أغلب المعاهد العليا للدّراسات التكنولوجية، كما نظّم الغاضبون من تكنولوجيين ومساعدين وقفة احتجاجية أمام مقرّ الوزارة. وكان من آثار ذلك الضغط مراجعة الزيادة المقترحة للأسلاك والأصناف الغاضبة بالترفيع فيها رغم تعلّل الوزارة إبّان الاجتماع التفاوضي المنعقد يوم الجمعة 09 نوفمبر باستحالة الذهاب أبعد ممّا اقترحته. ولكنّ الطرف النقابي تمسّك بضرورة بذل مجهود مالي إضافي مقترحا تقاسم عبئه على قاعدة تمويل نسبة الثلثين منه (63 ℅) باقتطاع مبالغ من الزيادات المقترحة لفائدة الأساتذة والأساتذة المحاضرين والأساتذة المساعدين، والتزم بإقناع منظوريه بوجاهة ذلك اعتمادا على مبدأ التضامن بين الأسلاك والرّتب، على أن تتكفّل الوزارة بتوفير الثلث المتبقي من مقدار الزيادة الإضافية (37 ℅). ويوضّح الجدول أدناه مسار التفاوض حول الزيادات مع بيان نقاط الاتفاق ونقاط الاختلاف.
نقاط الاتفاق إلى غاية 09 نوفمبر 2012
الرتب
الزيادة المقترحة قبل اجتماع 9 نوفمبر
الزيادة المقترحة بعد اجتماع 9 نوفمبر
أستاذ جامعي
900 دينارا
850 دينارا
أستاذ محاضر
750 دينارا
700 دينارا
أستاذ مساعد
600 دينارا
570 دينارا
مساعد
310 دينارا
400 دينارا

النقاط الخلافية إلى غاية 09 نوفمبر 2012
الرتب
الزيادة المقترحة قبل اجتماع 9 نوفمبر
الزيادة المقترحة بعد اجتماع 9 نوفمبر
أستاذ تكنولوجي
مقترح الوزارة 750
مقترح النقابة 790
750 دينارا
محاضر تكنولوجي
مقترح الوزارة 550
مقترح النقابة 640
550 دينارا
تكنولوجي
مقترح الوزارة 310
مقترح النقابة 540
400 دينارا
أستاذ مبرّز أوّل
مقترح الوزارة 300*
مقترح النقابة 470
400 دينارا
أستاذ مبرّز
مقترح الوزارة 270*
مقترح النقابة 470

*  باعتبار 70 دينارا تمتّع بها سلك المبرّزين بعنوان الزيادات العامّة حيث لم يستثنوا منها
وقد عرض الوفد المفاوض ما توصّل إليه من مقترحات في اجتماع صاخب للمجلس القطاعي عقد للغرض يوم السبت 10 نوفمبر 2012 بدار الاتحاد تحت إشراف السيد حفيظ حفيظ الأمين العام المساعد للاتحاد العام التونسي للشغل المسؤول عن الوظيفة العمومية، وهو الذي ترأّس الوفد المفاوض مع الوزارة. أمّا عن آجال صرف الزيادة فتقترح الوزارة تقسيطها على ثلاث سنوات انطلاقا من غرّة ديسمبر 2012، بينما يتمسّك الوفد النقابي المفاوض بجدولة على قسطين يصرف الأوّل في غرّة ديسمبر 2012 على أن يستكمل الثاني في غرّة ديسمبر 2013. هذا وقد سيطر على الاجتماع جوّ من التوتّر نتيجة تمسّك نوّاب التكنولوجيين والمبرّزين بزيادة لا تقل عن تلك الموعودة لنظرائهم في سلك أساتذة التعليم العالي والبحث العلمي، خصوصا وقد هدّد بعضهم بالانسلاخ عن الجامعة العامّة أمام ما لمسوه من ميل لقبول الاتفاق في مداخلات نوّاب سلك الجامعيين. وممّا زاد الأمر تعقيدا ما كان يرشح من عدم انسجام في مواقف وردود الوفد المفاوض ذاته. ويخشى أن لا يكون التصويت بأغلبية مريحة على اللائحة المهنية الصّادرة عن المجلس ولا التنصيص فيها على ضرورة مواصلة التفاوض بخصوص رفع الحيف المسلّط على التكنولوجيين والمبرّزين،كافيين لتهدئة الخواطر. حيث اعتبر التكنولوجيون اللائحة باهتة وغائمة في ما يتعلّق بضرورة إنصافهم إذ لم تنصّص صراحة على مطالبهم.
ومن ناحية أخرى، ذهب بعض المتدخّلين إلى حدّ التّشكيك في مصداقية الوزارة وجدّية مقترحها مستندا في ذلك إلى عدّة مؤشّرات. ومنها أوّلا جدولة الأقساط حسب رزنامة تتجاوز الآجال المعلنة للانتخابات البرلمانية القادمة، بما يرمي الكرة في ملعب مجهول. وهناك ثانيا سعي الوزارة إلى تلغيم الطريق نحو الاتفاق من خلال تمسّكها بفوارق مالية لا يستحيل تجاوزها بما يغذّي الخلافات بين أسلاك الجامعيين ويجهض الاتفاق من داخل الجامعيين أنفسهم بينما تبقى الوزارة في حلّ من أيّة مسؤولية على فشل التفاوض. وهناك أيضا ترويج خطاب رسمي يصوّر الجامعيين لدى الرّأي العام كجشعين ومتكالبين على المال من خلال عزل مطالبهم عن سياقها التاريخي والمهني حتى تبدو مجحفة وفي قطيعة مع الظرف الاجتماعي والاقتصادي للبلاد. ويوشك كلّ هذا أن يحوّل الاتفاق المنتظر إلى قشرة موز زلاّقة تكسر ظهر الجامعيين. 

لذلك يؤكّد أصحاب هذا الرّأي على ضرورة أن تقوم الجامعة العامّة تحت راية الاتحاد بحملة إعلامية ترفع اللبس عن موقف الجامعيين وتوضّح معاناتهم وتضحياتهم. كما ينبّهون إلى أهمّية التّمسّك بوحدة الصف النقابي الجامعي والانخراط في الشأن العام بشكل أبرز يكسر العزلة المضروبة عليهم.
هذا وقد استأنفت الاجتماعات التفاوضية منذ الإثنين 11 نوفمبر بشكل ماراطوني ولا تزال جارية إلى حدّ كتابة هذه الأسطر، دون أن يرشح عنها شيء يذكر. فقد صار المفاوضون أكثر تحفّظا بعدما تعرّض له المسار من هزّات كادت تعصف به نتيجة التسريبات.

وأيّا كان مآل المفاوضات، فالثابت أنّها تأتي في ظرف سياسي واجتماعي شديد التوتّر والحساسية ممّا يوشك أن يدفع بالبعض إلى توظيفه لتشويه صورة الجامعيين خصوصا وقد انطلقت على الشبكات الاجتماعية حملات التشهير بهم واتهامهم بالأنانية والتنكّر لمعاناة الطبقات الشعبية. لذلك، فبقدر ما يهمّنا كجامعيين التأكيد على مساندتنا لضعاف الدّخل والمعطّلين عن العمل من أبناء شعبنا المطالبين بالكرامة، إلاّ أنّ ذلك لا يعني استمرار سكوتنا على تدهور مقدرتنا الشرائية وعلى إثقال كاهلنا بحجم عمل إضافي دون مقابل في أكثر من مرّة (إضافة ساعتي عمل في اتفاق 1999 وإضافة أسبوعي عمل وساعات تأطير في إطار منظومة إمد). فلا شيء يبرّر العمل دون مقابل، ولا شيء يبرّر أن يكون أجر الجامعي في بلدان عربية كلفة الحياة فيها أقل من تونس بكثير (مصر، المغرب، الجزائر، الخ) ضعف ما هو عليه الحال في تونس. ثمّ لا ننسى أن هذه الزيادات تأتي في إطار استكمال الاتفاق العام الممضى بين الاتحاد العام التونسي للشغل والحكومة في جويلية الماضي والقاضي بإقرار زيادة عامّة لأعوان الوظيفة العمومية. وقد كان ذلك الاتفاق قد استثنى أسلاك الأطبّاء والأساتذة الجامعيين وأفردهم بمسارات تفاوضية خاصّة نظرا لوجود مطالب قطاعية مزمنة طال التفاوض بشأنها ممّا خلق أزمات خانقة في هذه القطاعات الحسّاسة. فقد تدهورت الصحّة العمومية نتيجة هجرة الأطباء نحو القطاع الخاص وتراجع مستوى التكوين والبحث الجامعيين بفعل هجرة خيرة الأدمغة والكفاءات التونسية نحو بلدان الخليج العربي وأوروبا. ولا نخال التونسيين غير مبالين بجودة خدمات الصحّة العمومية والتعليم العالي والبحث العلمي التي تنعكس على حياة أسرهم وأبنائهم بشكل مباشر وعميق.
جلال الرّويسي