samedi 29 décembre 2012

السوكارجية يصرفوا على التوانسة

المعروف في تونس أنّ كلّ حانة تغلق أبوابها ولو بغرض الترميم والإصلاح لا تعود إلى النّشاط بعد ذلك. والمعروف عن رخص البارات (الحانات) منذ عهد بورقيبة أنّها امتياز تهبه السّلطة عن طريق وزير الدّاخلية لمن ترضى عنهم. وفي زمن بن علي كان هذا الأخير ككلّ رئيس عصابة يحترم صفته ومهنته يدير بنفسه توزيع الرّخص على أزلامه وقوّاديه. ومن المتوقّع أن تضيّق حكومة النّهضة أكثر على نشاط البارات بتعليق منح الرّخص الجديدة وبإلهاب النّار في الأسعار والحكم بالغلق على كلّ من يؤتي شبه مخالفة وذلك لأسباب إيديولوجية يعلمها الجميع. طبعا النهضة لا تستطيع بين عشية وضحاها ذبح الدّجاجة التي تبيض لها ذهبا بإغلاق الحنفية التي تنشّط الدّورة الدّموية لميزانية الدّولة. فهي تدرك أنّ السّوكارجية أصحاب فضل كبير في تمويل التعليم والصحة والثقافة وسائر المرافق العمومية الأخرى من خلال ما يضخّونه في ميزانية الدّولة مع كل كأس يشربونها. هذا، دون الحديث عن علاقة النبيذ والبيرّة بالسياحة والتجارة والتشغيل، إلى الحدّ الذي يمكن الحديث معه عن اقتصاديات المشروبات الكحولية. فلو مسّت النّهضة هذا الاقتصاد القائم الذّات، ستكون كذلك الحطّاب الذي يقطع الغصن الذي يجلس عليه.

كثيرا ما يتنافس كبار الحومة على تذكّر قائمة البارات التي كانت موجودة في شارع بورقيبة أو شارع الحرية أو لافايات أو حلق الوادي والمرسى وحمّام الأنف والتي اختفت اليوم وزال ذكرها. عشرات البارات اندثرت، بارات صغيرة كتلك التي مازالت موجودة اليوم ("بار التورنان" -الركن- و"لاسورس" -العين- ولابولوت)، من الواضح أنّ الأوروبيين هم الذين فتحوها نظرا لانتشار هذه النوع من الفضاءات العمومية في بلاد الفرنجة. وتسمّى عندهم des bars de quartiers، وقد كانت مدينة تونس تعجّ بها إلى نهاية السبعينات من القرن الماضي. فضاء صغير يقع في الطابق الأرضي لعمارة ما يرتاده في العادة سكّان تلك العمارة وبعض من يربطهم بالحي نشاط مهني. هي أقرب ما تكون لصالون جماعي، يتطارح فيه مرتادوه شؤونهم المشتركة ويتمازحون ويروّحون عن النفس. الكلّ فيها يعرف الكلّ، فيها المتقاعد والشاب والطالب والمرأة، بعضهم يطالع مجلّة وبعضهم يلعب على آلة الفليبار وبعضهم يحبّر مقالا أو يعمّر مطلبا أو ورقة تيارسي، وبعضهم يفاوض جليسه لإتمام صفقة وقد تصادفك عجوز مسيحية أو يهودية تتسلّى بالطريزة وراء شعاع الشمس المتسلّل عبر البلّور وبجانبها كلب اللابرادور الجاثم في أمان. بجانب البار عادة قاعة سينما تشترك مع البار في حيازة نفس الحرفاء.

لا تربّحك يا بن علي كيف شوّهت هذا التراث الاجتماعي وتلاعبت به فحوّلته إلى منّة تتكرّم بها على قوّاديك وعلى المتقاعدين من ضبّاط شرطتك. ولأنّ هؤلاء غريبون تماما عن روح هذه الفضاءات وعن وظيفتها الاجتماعية، فقد راحوا يتكالبون على الرّبح ويسعون إلى الاحتكار ويفرحون كلّما أغلق بار لأنّهم سيربحون حرفاءه، حتّى تحوّلت تلك الفضاءات الصغيرة إلى علب سردين تكاد تنفجر بمن فيها. والنتيجة خدمات رديئة وازدحام وسرقة وعنف وأمراض صدرية وأنشطة طفيلية على الهامش (باعة فول وكمية قاتلة وقجمي وباعة مسروقات شتّى كالهواتف والساعات والنظّارات) وبوّالات فائضة وقوّادون يديرون شبكات دعارة تنشر الأمراض السّارية كالسيدا والسيفيليس، الخ). تغلق البارات أبوابها لتلفظ زبائنها في الشارع متتسكّعين في فجاجة تنضح بالعنف المادّي واللفظي، يروّعون المارّة ويتحرّشون بالفتيات في الحافلات. ولا يقوى البوليس إلاّ على المواطنين المسالمين من السّكارى الذين يفضّلون الأوبة إلى ديارهم في التاكسيات فيكون مصيرهم الإيقاف بعدما يغمز عليهم سوّاق التاكسيات دوريات الشرطة بضوء السيارة. وموش لازم نحكيوا عاد كيف تكون الكليونت إمرى... تي ماو وقتها سعدها يتكب وليلتها تشوم. (وهذايا موضوع آخر) .

موش لوكان نحلّوا بارات في الضواحي والأحياء توّة نخفّفوا على وسط العاصمة، ونوزّعوا الثروة (مداخيل البارات) بشكل أكثر عدلا مادام ها اللي يدخّلوا في الملاين كل يوم (من غير ما يكون ليهم حتّى وجه فضل) باش يولّيوا يقسموهم مع منافسيهم اللي باش يحلّوا بارات وهكّاكة نخلقوا مئات مواطن الشغل ونعطوا فرصة للنّاس باش يتقابلوا autour d'un  verre في جو هادئ ومزاج رائق، وبهذاكة يقربوا من بعضهم أكثر ويفهموا بعضهم خير ويتنفّسوا هواء نظيف وتنقص البراكاجات وبيعان الشراب كلندو، وتزيد الدّولة في مدخولها من الآداءات والضرائب.

أش قولك يا سيد وزير الدّاخلية؟ موش هكّة خير من ها اللي نسمعوا فيه حول الترفيع في أثمان المشروبات الكحولية بنسب خيالية، زعمة زعمة تضربوا في عصفورين بحجرة، هاوكة منها تنقّصوا في السوكارجية (وهذا وهم) ومنها تموّلوا الميزانية على ظهورات الفسّاد والفسّاق اللي خير التوانسة من عظم كتافهم؟
 

جلال الرويسي منّوبة ديسمبر 2012