mardi 11 décembre 2012

الكلفة الحقيقية للإضراب العام

تتداول وسائل الإعلام رقما حول كلفة الإضراب العام على مجمل اقتصاد البلاد يبلغ 700 مليارا من مليماتنا. لكنّ لا أحد تساءل عن مصدر هذا الرّقم أو تفضّل بشرح كيفية احتسابه، إلى أن جمعتني فرصة الاستماع إلى رفيق النضال النقابي سامي العوّادي، أستاذ الاقتصاد بالجامعة التونسية وهو يبيّن كيف أنّ هذا الرّقم اعتباطي ومضخّم ولا يستند إلى أيّة مقاربة علمية. 
فالأمر لا يتطلّب أكثر من عملية حسابية بسيطة تتمثّل في قسمة الناتج الوطني الخام البالغ حسب آخر الإحصائيات الرّسمية 95 مليار دولار على 365 يوما، وهو ما يعطي حاصلا قدره 274 مليارا من المليمات. وهو كما نرى رقم بعيد عن ال700 مليارا المتداولة. ولكنّ هذه ال274 مليارا نفسها تحتاج أن ننزل بها أكثر لأنّها مضخّمة بناتج البورصة الذي يدمج في الناتج الوطني الخام رغم أنّه ناتج افتراضي (وهمي) مبني على مضاربات في الأسهم لا علاقة لها بالاقتصاد الفعلي وبخلق الثروة. ويبلغ رقم معاملات البورصة الجملي لسنة 2011 حسب إحصائيات الموقع الرّسمي لبورصة تونس للقيم المنقولة، ما قدره 139 3 مليون دينار، وهو ما يقابل حسب نفس الموقع مبلغا يوميا يقدّر ب7.1 مليارا من مليماتنا. والأهمّ من هذا، هو أنّ الإضراب العام لن يشلّ الاقتصاد كلّيا، بشكل نتخيّل معه البلاد، كامل البلاد، تنام ليلة الإربعاء ثم لا تستيقظ إلاّ يوم الجمعة، مادام سيكون هناك كهرباء وماء وبعض متاجر مفتوحة وشمس تنمّي الزرع وأمطار تسقيه وبعض فلاحين يشتغلون في مزارعهم، الخ. هكذا، فإنّ إنتاج الثروة لا يتوقّف بالكامل مهما كانت الظروف حتّى في سيناريو الإضراب العام، لأنّ الطبيعة غير مضربة. ويمكن تقدير مساهمتها في الناتج الوطني الخام بما يقارب الخمس من قيمته.
في النهاية، إذا ما حذفنا 7.1 مليارا (مساهمة البورصة) و 54 مليارا (مساهمة الموارد الطبيعية)، فإنّ كلفة الإضراب العام ستكون في حدود 210 مليارا من مليماتنا. وهو بالطّبع رقم مرتفع لا نرضى لاقتصادنا الوطني أن يتكبّد خسارته. هذا عن الكلفة المباشرة للإضراب العام. لكن، لعلّ ما يربك أكثر ويدفع إلى المطالبة بتجنّب الإضراب العام هو كلفته غير المباشرة. فيوم الإضراب العام هو يوم مفتوح على المجهول، باعتبار تعليق ديناميكية الاقتصاد الوطني وما يتبع ذلك من توتّرات سياسية واحتكاكات اجتماعية واسعة الرّقعة لا يمكن السيطرة عليها بسهولة. انظر كيف أنّ تاريخ تونس لم يحتفظ من كلفة الإضراب العام في 26 جانفي 1978 بالخسائر المادية قدر احتفاظه بعدد الضحايا الذين سقطوا يومها وكانوا في حدود 500 شهيدا.
بقي علينا أن ننبّه إلى شيئين. 
أوّلهما، هذه الانتهازية في التعامل مع الأرقام واستغلالها للدّفاع عن الشيء وعن نقيضه. فما يجرّم هنا بالاعتماد على هذا الرّقم يحلّل هناك اعتمادا على نفس الرّقم. انظر كيف ينفخ في كلفة الإضراب العام (بغرض التجريم)، ولكن لا تستغربوا أن يقال غدا للمعترضين على التعويضات المطلوبة لفائدة المنتفعين بالعفو التشريعي العام (700 مليارا) بأنّها لا تتجاوز كلفة إضراب عام بيوم واحد. والحقيقة أنّ هذه التعويضات ستتكلّف ما قيمته أربعة أيام إضراب عامر. فكيف للبلاد أن تتحمّل خسارة بأربعة أيام من ناتجها الوطني الخام والحال أنّها لا تتحمّل ولو يوما واحدا؟    
وثانيهما أنّه ممّا تؤكّد عليه مبادئ اتخاذ القرار في مجال الاقتصاد السياسي هو الموازنة بين الكلفة والفائدة بالنسبة للاقتصاد الوطني والصالح العام. وذلك معناه إنّه لو اقتصر الأمر على الكلفة المباشرة، وتحتّم دفع هذا الثمن للدّفاع عن وجود الاتحاد فالشغالون لن يتردّدوا في ذلك، لأنّ بقاء اتّحادهم سيعوّض البلاد عن هذه الخسارة باعتبار ما تمثّله هذه المنظّمة الوطنية من وزن في حماية الاقتصاد وفي تنمية الثروة الوطنية. والثابت أنّ بقاء "رابطات حماية الثورة" قائمة تصول وتجول والسعي إلى تلجيم فم الاتحاد سيكلّفان البلاد واقتصادها خسارة مادية وحضارية تتجاوزأضعاف أضعاف هذا المبلغ. ولكن الاتحاد قد يختار تعليق الإضراب العام أو إلغائه خشية انفلات الوضع الأمني باتجاه الأسوأ واستغلال أعداء الثورة ذلك للزّج بالبلاد في حمّام دم يكون وقوده كالعادة الأبرياء من أبناء الشعب المهمّشين... 
غمزة أخيرة: تطبيقا لمقاربة المقارنة بين الكلفة والفائدة، ماذا يمكن أن تكون نتيجة صرف ما قيمته أربعة أيام من الناتج الوطني الخام كتعويض لسجناء سياسيين ناضلوا من أجل قناعات شخصية أوصلتهم إلى السلطة؟ ما هي كلفة ذلك وما هي فائدته على الاقتصاد الوطني والصّالح العام؟  

جلال الرويسيي 11 ديسمبر 2012