dimanche 9 juin 2013

الجسد بين العراء والغطاء

عندما يوشك البعض على فرض النقاب زّيا حضاريا مرجعيا للمرأة التونسية، كما لو كان عمادا أساسيا لهويّتنا التونسية،
عندما يدافع رئيس الدّولة، الضامن للنظام الجمهوري والدّولة المدنيّة، عن حق المنقبة في اجتياز الامتحان مؤسّسا بذلك لدولة الوجوه المقنّعة ومجتمع الهويات الفردية الممسوحة والهوية الجماعية الممسوخة والمنسوخة،
عندما يصبح النقاب هو القاعدة والمرجع وما سواه شذوذ ومنكر،
عندما تصبح أفغانستان أقرب إلى ثقافة التونسي من صقلية،

عندما يحصل كلّ هذا، لا غرابة أن تظهر في تونس، بلاد علّيسة والكاهنة والجازية الهلالية، فتاة تونسية تعرّي صدرها لتذكّر بالبديهيات التي نسيناها جميعا في غمرة الغباء الجماعي المستشري بيننا على أيامنا هذه، ومن هذه البديهيات:

1. النقاب بدعة يراد لها أن تكون مقبولة، فلم لا يكون العراء بدوره بدعة مقبولة أيضا؟ بدعة ببدعة والبادئ أظلم.
2. الجسد مسكن صاحبه، يقيم فيه ويرعاه، يعرّيه،يغطيه، ينظّفه، يداويه، ينمّيه ويحميه، يكلّفه بإنجاز بعض المهام والأعمال، فيقسو عليه ويحنو. يربّيه ويتعلّم منه. هو ملكيّة مطلقة لصاحبه وحرمته مضمونة في الدساتير والمواثيق الدّولية. وهو ليس شرفا لأحد أبا كان أو أخا أو زوجا أو ابنا أو أسرة أو قبيلة.
3. الجسد الحر المنطلق غير المتشنّج، هو جسد أجلب للرّاحة والمتعة والسعادة من الجسد المقيّد والمحبوس والمشدود الأعصاب والعضلات. من هنا جاء الرّقص والرياضة والجنس. الجسد المنطلق أقلّ خطرا من الجسد المكبّل، لأنّه يصرف طاقته ولا يتحوّل إلى كبسولة قابلة للانفجار. وكما يكون تحرّر الجسد طريقا إلى تحرّر الفكر، فإنّ تكبيل الأجساد طريق إلى تكبيل الأدمغة والأفكار. لذلك يتّخذ الماسكون بالسلطة بمختلف وجوهها في المجتمعات الذكورية (البطرياركية) من الجنس سلاحا للتحكّم في منظوريهم. انظر كيف أنّ الجسد تارة سلعة في أسواق اللذّة وأخرى كتلة تتحرّك تحت ستر القماش وتملك كالأرض والأثاث وطورا هديّة تهدى لمكافأة الجنود والملوك وحينا عظما يلوّح به أمام عيون كلاب بافلوف. هكذا تصير الأدمغة مستعمرة للجسد لا همّ لها سواه. وهكذا حمّلوا الجسد وزر شرف العائلة والقبيلة وفتحوا الباب لجرائم الشرف.  
4. في لعبة الهروب إلى الحد الأقصى التي أطلقها خصومها، تدخّلت هذه الفتاة بحركتها تلك لتقف في الطرف الأقصى المقابل متحدّية: "ليطرح كلّ أقصاه حتّى نرى. الجسد العاري أقلّ خطرا من الجسد المغطّى بالكامل لأنّه مكشوف لا يمكنه أن يخبّأ ما يهدّد أمن الغير. غطاء بالكامل يقابله عراء بالكامل." عندها سيدرك الجميع أنّ نقيض النقاب ليس الدجين أو البودي أو الديكولتي أو التنّورة القصيرة (الميني جوب). فكلها مناطق وسطى، أمّا نقيض الحجب الكامل فهو العري الكامل. عندها سيختار المجتمع الوسطية (نصف عراء أو نصف غطاء) ولن يبقى عندها لا نقاب من ناحية ولا صدور مربكة من الناحية الأخرى. لن تبقى سوى المرأة التونسية التي نعرفها أمّا وأختا وابنة وزميلة وحبيبة وجارة حرّة متحضّرة تعيش لحظتها التاريخية وتعيها وتفعل فيها.
5. للتونسي روح متوسطيّة (ألسنا أبناء حوض الميديتيراني؟)، الدم الذي يجري في عروقنا بربري على قرطاجنّي على روماني على عربي على إفريقي على فرنسي على طلياني على أندلسي وسبانيولي... ولكن لا قطرة منه أفغانية. التونسي الحر الأصيل هو ذلك الذي صوّره علي الدّوعاجي في "جولة بين حانات البحر الأبيض المتوسط" وفي "سهرت منه الليالي"، حيث نلمس سماحة الإيمان وطيبة الخلق وخفّة الروح وحب الحياة وهشاشة العواطف وإنسانية الطبع بما في ذلك إمكانية الخطأ.
6. وقبل هذا وبعده، فليطمئنّ الجميع لأنّ أمينة بحركتها تلك لا ترمي إلى فرض نموذج العراء وتعميمه في المجتمع. فهي نفسها حريصة على ارتداء ملابسها، لكن دون أن تلغي ذاتها وتمحو هويّتها وتهرب من أنوثتها. لقد أرادتها حركة احتجاجية وصرخة حضارية محدودة في الزّمان والمكان. وبصفتها تلك، فقد أدّت هذه الصّرخة وظيفتها بالكامل. لقد أرادت من خلالها صاحبتها التذكير بقطبي التّناقض وتصحيح مواقع ما يوجد بين القطبين. الكرة الآن في مرمى من يفصّلون الخطب والمواقف كالصلصال على مقاس الحضور والمناسبات. فهم في إمارات الخليج إسلاميون متمسّكون بتطبيق شرع الله الذي تضيق حدوده وتتسع حسب المحرار السلفي (مؤشّر سلفنداكس Salafindex)، وفي منابر الاتحاد الأوروبي حداثيون منفتحون على الحضارات الإنسانية. هؤلاء الذين يخدمون التطرّف ويتواطؤون معه إمّا خوفا أو طمعا، صارت الصدور العارية تطاردهم كأصابع الاتهام عند كل زيارة رسمية يؤدّونها إلى دولة ديمقراطية من هذا العالم.  

أحيي شجاعة هذه الفتاة التي قد تكون فعلت ما فعلت باندفاع الشباب وحماسته أكثر ممّا كانت مستندة على خلفية فكرية واضحة ومتبلورة في وعيها. ولكن مجرّد أن تجرأ على ذلك، فهذا ينمّ عن حسّ تاريخي متطوّر...  إنّ الصرخات الحضارية الكبرى التي ترجّ الوعي السائد ويظل صداها يتردّد عبر التاريخ، حتّى تنتصر، يطلقها دائما أفراد شجعان يعرّضون أنفسهم إلى السخط الشعبي العام والعقاب الرّسمي للمحافظة على السائد، ولكنّهم يصمدون ويواجهون التكفير والتنكيل والتقتيل. وفي النهاية ينصفهم التاريخ أحياء كانوا أو أمواتا. وتاريخ الأمم والشعوب حافل بالأمثلة على ذلك.