lundi 6 janvier 2014

دور الجامعة التونسية لنوادي السينما في عملية التغيير الاجتماعي والسياسي

هناك رهط من الناس يصرّون على ارتياد الملاعب والمسارح ودور السينما رغم كونهم يستطيعون مشاهدة المقابلات الرياضية والحفلات والمسرحيات والأفلام في بيوتهم وهم جالسون على الأرائك الوثيرة في الدفء بجانب من يحبّون ويترشّفون ما طاب لهم، بعيدا عن الزحام والطوابير وأنفاس الغير وروائحهم؟ فهل تراهم مازوشيون أم أنّ لهم دوافع أخرى؟

إنّهم ببساطة يريدون للفرجة أن تكون طقسا جماعيا ينخرط من خلاله النّاس في فعل جماعي مشترك يقرّبهم من بعضهم البعض. إنّ للفرجة مع الجمهرة نكهة خاصّة، ككلّ الطقوس الجماعية. هناك شيء ساحر وممتع في أن تكون داخل القاعة المظلمة وأنت في ذات اللحظة مع الآخرين وغائب عنهم لأنّك مشدود إلى تلك الشاشة العملاقة التي تدور على ساحتها حياة أخرى غير تلك التي تحياها مع من في القاعة والتي اخترتم جميعا وبشكل طوعي أن تعلّقوها لحين، فتسربلتم بالسواد وجلستم صامتين مشدودين إلى ذلك الضوء المنبعث من كوّة وراءكم والمنثور على قماشة عملاقة ليستحيل حياة أخرى. تغوص في ما تشاهد وتنسى كلّ ما حولك حتّى إذا ما تنهّدت أو شرقت بالدمع المحبوس أو هَزْهَزَتْ كُرْسِيَّكَ ضحكةٌ مكتومةٌ فطِنتَ بجارك وهو في نفس حالك. ربّما كان النّاس من وراء ذلك يسعون إلى أن يقيسوا تفاعلاتهم وانفعالاتهم مع تفاعلات غيرهم وانفعالاتهم. وربّما كان يحرّكهم الوعي بأنّه لا معنى للمتعة إلاّ متى كانت متقاسمة مع الغير. فلا متعة خارج التقاسم والمشاركة. أليس الإنسان السوي لمّا يأكل شيئا لذيذا يبحث عن شخص يتذوّقه معه، حتى يستطيع أن يقول له "هاه، ما رأيك؟ أرأيت كم هو لذيذ؟" ولا يمكن لمتعته أن تكتمل في غياب هذا الشريك. ثمّ إنّك تستمتع بالأشياء التي تسعى وراءها فتدركها أكثر ممّا تستمتع بالأشياء المتاحة بين يديك في البيت. لذلك يتلذّذ الناس بقهوة يخرجون إليها ويسعون في طلبها بالمقهى أكثر ممّا يتلذّذون بقهوة يترشفونها في البيت، وبصلاة يؤدّونها بالمساجد التي يقطعون المسافات ليبلغوها طلبا للأجر المضاعف... إنّ الذهاب إلى السينما اختيار حر وفعل إرادي، إنّه خرجة تؤثّث وقت الإنسان بما يصاحبها من اختيار وترتيب وبرمجة وتأنّق ومصاحبة، وبما يعقب مشاهدة الفلم من نقاش وكأس تترشّف على مهل وباستمتاع.


باختصار، لأنّنا نحب الحياة نذهب إلى السينما.


على الوعي بهذه النفاصيل الإنسانية الحميمة، تأسّست حركة نوادي السينما في العالم. أمّا في تونس، فقد انضافت خصوصيات البلد لتجعل من الجامعة التونسية لنوادي السينما أكثر من مجرّد فضاء عمومي يتقاسم فيه الناس حبّ السينما ومتعة تذوّق الأفلام ويجدون فيه الفرصة للتعارف والتلاقي. فقد شاء الظّرف التاريخي للجامعة التونسية لنوادي السينما أن تكون بالإضافة إلى ذلك كلّه، فضاء عموميا يتربّى فيه الناس على الحوار وعلى ممارسة مواطنتهم المصادرة منهم وعلى تأصيل كيانهم الإنساني وعلى تأكيد انخراطهم في اللحظة التاريخية التي يحياها العالم من حولهم.

تأسّست الجامعة التونسيّة لنوادي السينما سنة 1950 على أيدي نخبة من شباب تونس المثقّف الذين كانت تحرّكهم الرّغبة في تحريك سواكن العقول التونسية بتنشيط الحس الجمالي لديها، هذا الحس  المنتصر بطبيعته للقيم الإنسانية النبيلة كالعدل والحرية والكرامة الإنسانية. من ثمّة كانت العلاقة بين الفن والتحرّر من الاستعمار بديهية في أذهان مؤسّسي الجامعة التونسية لنوادي السينما. وعرفت حركة نوادي السينما انتعاشتها الكبرى بعد الاستقلال وانتشرت في أماكن عديدة من البلاد مسجّلة إقبالا كبيرا من الشباب التلمذي والجامعي، حتّى بلغت أوجها سنة 1978 بما يناهز الثلاثين ألف منخرط. وهو ما أزعج السلطة التي لم تكن تنظر بعين الرضا لما كان يدور من نقاشات حرّة وما كان يُتطارَح من أفكار تقدّمية في النوادي التي كانت هيئاتها تبرمج أفلاما جريئة مستندة على ما جاءت به أرضية العمل الثقافي التي أقرّها مؤتمر الجامعة الملتئم بسوسة في 1973. وقد أكّدت هذه الأرضية على أنّه من أهداف الجامعة التونسية لنوادي السينما:

  • المساهمة في تحريك وعي الجماهير المنخرطة بمشاكلها اليوميّة.
  • تمكين المنخرطين وتعويدهم على طريقة في التحليل والنقد تكون موضوعية وعملية وخلاقة.
  • المساهمة في بناء ثقافة وطنية وذلك بعرض أفلام وطنية وأفلام عالمية تقدّمية.
ولم تكن الجامعة تكتفي فقط ببرمجة العروض وتنشيط النقاشات حولها، ولكنّها كانت تقيم الملتقيات الوطنية لتكوين المنشّطين، وتنظّم التظاهرات السينمائية لمساندة حركات التحرّر في العالم، وتنشّط باقتدار نقاشات الأفلام في مختلف دورات أيام قرطاج السينمائية، بل وصار لها مهرجانها الدولي الخاص بها لأفلام الشباب.

إنّ النقاش حول الأفلام ليس هرطقة لفظية وترفا فكريا، بقدر ما هو ورشة الفكر العقلاني الحرّ، بعيدا عن التشنّج والتطرّف الذي غالبا ما يصحب الجدل في المنابر السياسية والنقابية. فالفنّ يخلّص الآراء من حدّتها الإيديولوجية ويعطيها عمقا إنسانيا خلاّقا ويمدّ الجسور بين العقول ويدرّب الشبيبة على سماع الآخر ويربّيها على قبول الاختلاف والتنوّع. 

لقد أعطت الجامعة التونسية لنوادي السينما تونس أفضل ما عندها من نقّاد ومبدعين وقادة رأي. فبعد جيل المؤسّسين (الطّاهر شريعة والنوري الزنزوري والمنصف شرف الدين ومصطفى نقبو، الخ.) تخرّجت أسماء لامعة في مجالي النقد والإخراج السينمائيين (سلمى بكّار، عبد اللطيف بن عمّار، النوري بوزيد، فريد بوغدير، رضا الباهي، عبد الكريم قابوس، الهادي خليل، حسن عليلش، كمال ونّاس، إقبال زليلة، طارق بن شعبان، الخ.)

لكنّ ظروفا عديدة تظافرت لتحكم على زخم السبعينات والثمانينات بالتراجع. حيث تقلّصت منحة وزارة الثقافة، بل وحجبت في بعض السنوات وأعطيت التعليمات لمديري دور الثقافة بعدم فسح المجال لنوادي الحركة للنشاط بالدور، وأحكمت سلطات بن علي المعادية بطبيعتها للثقافة والفن محاصرتها لأنشطة الجامعة التي غدت تعامل كما لو كانت حركة سياسية معارضة وغير مرخّص لها. وزاد من تفاقم الأزمة تراجع العمل الثقافي والفنّي عموما (تراجع النشر والكتابة والتأليف والمطالعة والمسرح والمهرجانات الثقافية العريقة كمهرجانات قرطاج والحمّامات، حتّى أنّ بعض المهرجانات ألغيت كمهرجان دقة والمهرجان الدولي للفنون الشعبية وتمّت سلعنة الموسيقى وتعرّضت الآثار للنهب المنظّم وجاع الفنّانون التشكيليون الأحرار، الخ)

وشيئا فشيئا اختفى ذلك المشهد الأسبوعي الجميل للشبيبة وهي تتزاحم عشية كلّ سبت أمام دار الثقافة ابن رشيق لحضور عرض من عروض نادي السينما. ذلك المشهد الذي كان في أغلب مدن البلاد كسوسة وصفاقس وقابس وبنزرت والمتلوي ومنزل بورقيبة وقفصة... وكان ذلك من مفاخر تونس سلطة ومعارضة. وأصاب الخرس ذلك الجرس الجميل الذي يرنّ قبل العرض بربع ساعة، وخفتت النقاشات فما عاد تلاميذ الباكالوريا يدوّنون نقاشات الأفلام ليستعينوا بها في دروسهم الفلسفية بالمعهد، وتوقّفت بكرات غرفة البث عن الدوران وإصدار تلك الحشرجة المحبّبة إلى أسماعنا وانطفأ خيط الضوء المنبعث من كوّة الغرفة السحرية وسكنت الأشباح قاعة العرض واستحالت قماشة الشاشة البيضاء العملاقة إلى كفن يلف المكان. لكنّ شريان حبّ السينما العنيد لم ينقطع تماما. فقد ظلّ ينبض ويضخ من الأوكسيجين فقط ما يكفي للبقاء على قيد الحياة في شقة بالطابق الأوّل من عمارة هرمة متداعية للسقوط تقع في 22 من نهج القاهرة ليس بعيدا عن دار الثقافة بن رشيق ولا عن وزارة الداخلية وعن شارع بورقيبة مسرح كل الأحداث الساخنة بتونس. شقة آوى إليها فتية مؤمنون أنّ الحياة تصير بلا طعم إذا غاب عنها الفن الإنساني العميق فظلّوا يشاكسون أعداء الفنّ ويساندون نبض السينما أينما خفق. يصرّون على طقوس الفرجة السينمائية الجماعية الأسبوعية لا يفتّ من عزمهم انحصار الإقبال على دور السينما ولا يبعث الشك في نفوسهم انقلاب القيم. فهم يؤمنون بعناد أنّ السينما هي الحياة في مكان آخر وأنّ الفن إعادة ترتيب لمفردات الكون والوجود.       

وكما مكّن هذا الشريان الجامعة التونسية لنوادي السينما من أن تكون حاضرة وفي الصفوف الأولى في جميع المحطّات التاريخية التي عرفتها تونس المستقلّة وتشارك بصوت مرتفع ومن موقع فاعل في الحراك الثقافي والسجال الفكري الذي كان يشق النخب التونسية، فإنّه هو نفسه الذي سيسمح للجامعة أن تولد من الرّماد وتضخ الحياة من جديد في مختلف النوادي بالبلاد.

نحبّ الحياة لأنّنا نذهب السينما...

جلال الرويسي

مسقط في 04 جانفي 2014