dimanche 12 janvier 2014

تمارين في الحساب والفلسفة

إذا اعتمدنا المعدّلات التالية:
  •   ينمو شعر الإنسان بمعدّل صنتيمتر في الشهر وأظافره بمعدّل مليمترين في الشهر.
  •   وفي اليوم يبول الإنسان معدّل لترين ونصف ويخرى ما يقرب من الربع كيلو،
فإنّ مجموع ما يفرزه إنسان يعيش خمسين سنة سيكون كالآتي:

  • 5 أمتار من الشعر، دون احتساب شعر اللحية والإبطين ومواطن الجسم الأخرى
  • 24 مترا من الأظافر
  • 45.5 مترا مكعّبا من البول (أي تقريبا ما يملآ حوض سباحة بطول ثمانية أمتار على عرض ثلاثة أمتار وبعمق مترين)
  • 4.5 طنّا من الخراء
  • يضاف إلى هذا إفرازات جسم الإنسان من عرق ودموع وغمص (دعماش) وصمغ ومخاط وغازات ولعاب وحيوانات منوية أو بويضات تخرج في دم الحيض
في مقابل ذلك، يستهلك الإنسان في هذه الفترة من حياته كلّ يوم ما معدّله لترين من الماء للشرب و15 ليترا للتنظيف ورطلا من الطحين ومائة غراما من اللحم أو السمك ونصف لتر من الحليب. هذا، بالإضافة إلى الزيوت والخضر والفواكه والأدوية والملابس والأغطية ومواد التنظيف. فكم يا ترى من حوض سباحة من الماء ومن طن طحين ومن قطيع أغنام ومن صهريج حليب ومن شاحنة خضر وغلال ومن صيدلية أدوية وغيرها من المنتجات، يستهلك هذا الكائن الذي كرّمه اللّه في حياة معدّلها خمسون سنة؟
هذا، علما أنّ الإنسان لا ينتج كل ما يستهلكه. ففي كثير من الحالات يستهلك ما تدرّه الطّبيعة وفي كثير من الحالات الأخرى يستهلك ما ينتجه غيره. كما يقتصر وجود كثير من البشر على معادلة الاستهلاك والإفرازات، هذه التي لا تعدو كونها تؤمّن للإنسان الحياة البيولوجية التي لا تختلف عن حياة سائر الحيوانات. والمعلوم أنّ ما يؤسّس إنسانية الإنسان يقع خارج هذه المعادلة، وإلاّ كان الإنسان في هذا العالم مجرّد عابر سبيل. فالإنسان يحتاج أن يترك أثرا يدلّ على أنّه مرّ من هنا، وهذا بالضبط ما يساعده على تقبّل فكرة الموت ويخفّف من وحشة مغادرة الوجود. وفي الحديث الشريف "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية وعلم بثه في صدور الرجال وولد صالح يدعو له بخير." وفي حديث آخر يقول الرّسول الأكرم:" لا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ : عَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ ؟ وَعَنْ عِلْمِهِ مَا ضَيَّعَ مِنْهُ ؟ وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَا أَبْلاهُ ؟ وَعَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاه." والمعلوم أنّ الصدقة الجارية تكون في ما ينفع الناس كبناء مسجد أو مدرسة أو كزراعة بستان من الأشجار المثمرة ووقف محصوله على الفقراء أو كحفر بئر في طريق نائية لإنقاذ عابري السبيل والدواب والأشجار من الموت عطشا. أمّا عن الذرّية، فلا يكفي الإنسان أن ينجب بل عليه أن يربّي، وإلاّ كان إنجابه من توابع إفرازاته البيولوجية التي يتقاسمها مع غيره من الحيوانات، فالكلاب والقردة تنجب هي الأخرى. 
فكيف يصرف الإنسان وقته، وفيما يفني عمره؟ 
الأصل في الأشياء هو ما غنّاه سيد درويش من كلمات لبديع خيري:
الحلوة دى قامت تعجن في البدرية
والديك بيــدن كوكو كوكو في الفجـرية
يالله بنا على باب الله يا صـنايعية
يجعل صباحك صباح الخير ياسطى عطيـة
....
ما تشد حيلك يا بو صلاح
إضربها صرمة تعيش مرتاح
خلى تكالك ع الفتاح
يالله با يالله بينا الوقـت اهو راح
الشمس طلعــت والمــــــلك لله
ما تشيل قدومك والعـــدة ويالله
اجــرى لرزقك خليها على الله
إنّ العمل هو ما يعطي معنى لحياتنا. فنحن نبني ذواتنا وعقولنا أثناء بنائنا للطرقات والعمارات، ونحفر في أغوارنا لمّا ننحني على الأرض نعزقها ونحفر فيها الأخاديد، كما نقلّب أفكارنا عندما نقلّب التراب، ونزرع في صدورنا الأحلام ونحن نزرع البذور. بهذا المعنى يكون العمل شرط تحقّق إنسانيتنا وارتقائنا من رتبة الحيوانية. فما الحضارة إلاّ نتاج العمل.
ولأنّنا تحديدا نعمل ونبني أنفسنا ونساهم في بناء الحضارة، فإنّنا نحتاج أن نستمتع بمنتوج عملنا وأن نستريح ونرفّه عن أنفسنا لنجدّد طاقتنا وقدرتنا على الاستمرار في العمل. من هنا كان اللعب والنوم والفن والاجتماع والتواصل كشرط أساسي لوجودنا الإنساني.
ولكنّ الضغط الذي يميّز حياة الإنسان في المدينة العصرية يهدر أغلب وقته عبثا أي يجعله يصرف حياته في اللامعنى ويعيش حالة من الاستلاب والبلاهة التي تجعله أقرب إلى الحيوان. وأذكر في هذا الباب مقالا طريفا للشاعر التونسي محمّد الصغيّر أولاد أحمد في ثمانينات القرن الماضي استعرض فيه أوجه هدر وقت التونسي في مدينة رعناء خرقاء كتونس، فبيّن ما معناه أنّ التونسي يقضي ساعة ونصف في انتظار الحافلة أو القطار بالمحطّة وساعتين في وسائل النقل بين ذهاب وإياب من العمل وساعة في طوابير الانتظار للحصول على خدمة إدارية وساعة في الحمّام وساعة بين التاجر والمخبزة وبائع الخضار وساعة في الخصومات وساعة أخرى في النميمة وأربع ساعات أمام التلفزيون وساعة ونصف في الأكل وساعة في الهاتف وساعتان في المقهى يدخّن النارجيلة أو يلعب الورق وثماني ساعات في النوم وهو ما يعطي خمسة وعشرين ساعة، أي أنّ استلابه وحماقته يفيضان على حدود يومه. بلغة أخرى، يقضي التونسي كامل حياته في اللامعنى وخارج الشرط الإنساني. فمتى يعمل؟ ومتى ينتج؟ ومتى يفكّر؟ ومتى يحبّ؟ ومتى يقرأ؟ ومتى يمارس الفن ويطّلع عليه؟ ومتى يكتب؟ ومتى يتعاطى الرياضة؟   
يعتقد البعض أنّه لو تخلّص الإنسان من ضغوطات الحياة المادّية وأمّن احتياجاته البيولوجية لانصرف إلى ما يعمّق إنسانيته من الأنشطة النبيلة كالتفكير والتأمّل والممارسة الفنية والإبداع  والقراءة والكتابة وممارسة الرياضة والسفر والاكتشاف. ولكن هذا غير صحيح طبعا، بدليل أنّ الناس في بعض البلدان التي تقوم على الاقتصاد الريعي تفنّنوا في إهدار فائض الوقت المتوفّر لديهم نتيجة فائض الخيرات التي تستجيب لضروراتهم البيولوجية والمتاحة لهم دون أدنى جهد، وتفانوا في تحويل النعمة إلى إلى نقمة، وصاروا يصرفون وقتهم في النوم والأكل والتجشّأ والضراط والخراء والبول والنكاح. وهذا دليل آخر على أنّ العمل هو ما يميّز الإنسان عن الحيوان.     

جلال الرويسي مسقط في 12 جانفي 2014