samedi 17 mai 2014

"لماذا نقرأ الأدب؟"



مقتطفات مقتبسة بتصرّف من نص لماريو بيدرو فارغاس ليوسا
ترجمة: راضي الشمري، مراجعة: فيصل الحبيني
منشور على موقع تكوين http://www.takweeen.com/?p=5870
يعرض الأديب البيروفي الحائز على جائزة نوبل للآداب سنة 2010، جملة من النقاط التي تجعل من قراءة الأدب ضرورة حيوية في المجتمع المعاصر، نوجزها في ما يلي:  
1.   الحجّة الأولى: الأدب يقاوم عزلة التخصص وتفتيت المعرفة ويقرّب البشر من بعضهم:
أدّى التطوّر الهائل للعلوم والتكنولوجيا إلى تخصّص المعرفة وتقسيمها إلى وحدات صغيرة. ونتج عن ذلك لغة دقيقة ورموز تزداد غموضا كل مرة. وصارت المعلومة أكثر انفرادية وتشتتًا. وهذا يؤدّي إلى نقص في الفهم الاجتماعي، وإلى تقسيم البشر إلى غيتوات ghettos من التقنيين والأخصائيين. 
يحذرنا المثل القديم: "تذكّر دائما أنّ الغصن أو الورقة جزء من شجرة، وأنّ الشجرة جزء من غابة". ذلك أنّ الوعي بوجود الغابة يخلق شعورًا بالجماعة، شعورا بالانتماء يربط المجتمع ببعضه ويمنع تفككه إلى عدد لايحصى من الأجزاء بسبب هوس الخصوصية والانغلاق على الذات. هوس الأمم والأشخاص بأنفسهم لم يخلق إلا الارتياب وجنون العظمة، وهو ما يولّد الكراهية والحروب، والإبادات الجماعية. وعلى عكس العلوم والتكنولوجيا، يبقى الأدب واحدًا من القواسم المشتركة لدى التجربة البشرية، حيث يتعرف البشر من خلاله على أنفسهم وعلى الآخرين بغض النظر عن اختلاف وظائفهم، خطط حياتهم، أماكنهم الجغرافية والثقافية، أو حتى ظروفهم الشخصية. استطاع الأدب أن يساعد الأفراد على تجاوز التاريخ. إنّ قرَّاء سرفانتس، شكسبير، دانتي، وتولستوي، يفهمون بعضهم عبر الزمان والمكان، ويشعرون بأنّهم ينتمون إلى نفس النوعية، لأنّهم من خلال أعمال هؤلاء الأدباء يتعلّمون ما يتشاركونه كبشر، وما الذي يبقى شائعًا فيهم تحت كل الفروقات التي تفصلهم. فلاشيء يحمي الإنسان من غباء الكبرياء والتعصب والفصل الديني والسياسي والقومي أفضل من تلك الحقيقة التي تظهر دائمًا في الأدب العظيم: أن الرجال والنساء من كل الأمم متساوون بشكل أساسي، وأن الظلم بينهم هو ما يزرع التفرقة والخوف والاستغلال. ليس هناك أفضل من الأدب ليعلّمنا أن نرى برغم فروقنا العرقية والاجتماعية ثراء الجنس البشري. هذا الرابط الأخوي، الذي ينشأ بين البشر بسبب (بفضل) الأدب، يجبرهم على التحاور ويوعّيهم بالأصل المشترك وبهدفهم المشترك، وبالتالي فهو يمحو جميع الحواجز التاريخية. الأدب ينقلنا إلى الماضي، إلى من كان في العصور الماضية قد خطط، استمتع، وحلم بتلك النصوص التي وصلتنا، تلك النصوص التي تجعلنا أيضًا نستمتع ونحلم. الشعور بالانتماء لهذه التجربة البشرية التراكمية عبر الزمان والمكان هو أعظم إنجاز للثقافة، ولاشيء يساهم في تجددها عبر الأجيال إلاّ الأدب.
2.   الحجة الثانية: الأدب عالم مصنوع من اللغة، ومن لا لغة له لا لسان له ولا فكر
تأتي الأعمال الأدبية – في البداية كأشباح بلا شكل – أثناء لحظة حميمية في وعي الكاتب، ويسقط العمل في تلك اللحظة بقوة مشتركة بين كلّ من وعي الكاتب، وإحساسه بالعالم من حوله، ومشاعره في ذات الوقت. وهي ذاتها تلك الأمور التي يتعامل معها الشاعر أو السارد في صراعه مع الكلمات لينتج بشكل تدريجي شكل النص، إيقاعه، حركته وحياته. حياة مصطنعة ومُتخَيلة، صنعت من اللغة، يسعى إليها القرّاء لأنهم يرون أنّ الحياة الواقعية لاترقى لهم، وغير قادرة على تقديم ما يريدون.
أحد منافع الأدب للشخص في المقام الأول تكمن في اللغة. المجتمع الذي لايملك أدبًا مكتوبًا يعبر عن نفسه بدقة أقلّ، وبأقلّ وضوحً من مجتمع يحمي طريقة التواصل الرئيسية له، وهي الكلمة، بتحسينها وتثبيتها عن طريق الأعمال الأدبية. إنّ مجتمعا بلا قراءة وبلا أدب هو أشبه بمجتمع صمّ وبكم، ينقصه الفهم وذلك لعلته اللغوية. وسيعاني من مشاكل هائلة في التواصل نظرًا للغته البدائية. وهذا يصحّ على الأفراد أيضًا، فالشخص الذي لايقرأ، أو يقرأ قليلًا، أو يقرأ كتبًا سيئة، ستجده يتحدث كثيرًا ولكن المفهوم من كلامه قليل، لأن مفرداته ضعيفة في التعبير عن الذات.
هذا الأمر لا يعني وجود قيود لفظية فقط، ولكن خصوصا وجود قيود في الخيال والتفكير. هو فقر فكري باعتبار الأفكار والتصورات التي يمكن من خلالها فهم حالاتنا لا تتكوّن خارج الكلمات. نحن نتعلم كيف نتحدث بعمق وبدقة وبمهارة من الأدب الجيد. لن يجدي أي انضباط آخر في أي فرع من فروع الفن ما عدا الأدب في صناعة اللغة التي نتواصل بها. أن نتحدث جيدًا، معناه أن يكون تحت تصرفنا لغة ثرية ومنوعة، أن نجد التعبير الملائم لكل فكرة ولكل شعور نود أن نتواصل به، وهذا يعني بالضرورة أن أكون جاهزًا للتفكير، أن أعبّر، أن أفهم أن أتعلّم، أن أناقش، وأيضًا أن أتخيل وأحلم وأحسّ. بطريقة خفية، تردد الكلمات صداها في جميع أفعالنا، حتى تلك الأفعال التي لا يمكن أن نعبّر عنها. وكلما تطورت اللغة، وذلك بفضل الأدب، ووصلت إلى مستويات عالية من الصقل، زادت من مقدرة الإنسان على عيش حياة أفضل.
3.   الحجة الثالثة: الأدب يهذّب الذوق ويرتقي بالسلوك
عمل الأدب حتى على صبغ الحب والرغبة والجنس بصبغة الإبداع الفني. لم يكن الشبق ليوجد بدون الأدب. كيف كان حال الحب والمتعة سيكون بدون تلك القصائد الرائعة والروايات الرومنسية والإيروسية التي جاد بها الأدباء العظام فساعدوا المحبّين على الاقتراب من بعضهم وعلى التعبير عن أحاسيسهم. كان الحب والمتعة سيكونان بالتأكيد أسوأ بدون الأدب بحيث ينقصهما الرقة والروعة. كانا سيفشلان في بلوغ الحالة القصوى التي يمنحها الأدب. لذلك فإني لا أبالغ حينما أقول أن زوجين أو حبيبين يقرآن غارثيلاسو أو بترارك أو جونجورا أو بودلير يقدّران المتعة ويعيشانها بخلاف الثنائي الذي صار أبلهًا بمشاهدة المسلسلات التلفزيونية البائخة. في عالمٍ غير قارئ للأدب، لن يتعدى الحب والرغبة ما ترضى به الحيوانات، كما أنهما لن يتجاوزا الوفاء بالأساسي من الغرائز. وبطبيعة الحال، لايمكن للتلفزيون أن يعلّم الناس كيف يستخدمون الإمكانيات الهائلة للغة بمهارة وثقة. على النقيض من ذلك، يعمل التلفزيون على الحط من قدر الكلمة إلى منزلة أقل بجانب الصورة، وتعمل أيضًا على تقييد اللغة بالتعبير الشفوي إلى الحد الذي لايمكن الاستغناء عنه.
فلنتخيل عالمًا بدون أدب، إنسانية لم تقرأ الشعر ولا الروايات. في هذا النوع من الحضارات الضامرة، بقواميسها الهزيلة التي تحفل بالآهات وإيماءات القرود على حساب الكلمات، من المؤكد أن بعض التعابير والكلمات والنعوت والتشبيهات لن توجد. سيكون العالم عالما غير حضاري، بربريا، خال من العاطفة وذا خطاب أرعن، جاهل ومأساوي، عالم أجلاف من دون شغف ولا رقيّ في الحب.
أحذّركم من عالم من دون أدب، سيكون كابوسا سمته الأساسية الانسياق والتبعية وتسليم لأصحاب السلطة. بهذا المنطق، سيكون عالمًا حيوانيًا. الغرائز الأساسية لدى الإنسان ستحدد مشواره اليومي باتجاه سد الجوع والشقاء لكي يبقى، ستحدده بالخوف من المجهول وإشباع الحاجات المادية. لن يكون هناك مكان للروح في هذا العالم. وفوق ذلك، ستولّد رتابة العيش المسحوق الإحباط وستلقي بظلال شريرة للتشاؤم، للشعور بأنّ الحياة البشرية ما كان لها أن توجد، وأنها ستكون هكذا دائمًا، وأن لا أحد يمكنه تغييرها.
إنّ هذا الكابوس الذي أحذركم منه لن يكون نتيجة قلّة التطور، بل سيكون نتيجة الإفراط في التحديث والتطوير. نتيجة إقصاء الأدب واستئثار التكنولوجيا بتصريف حياة الناس وإخضاعنا لتبعيتها المطلقة. قد نتصور مجتمعًا في المستقبل وهو ممتلئ بالشاشات والسماعات، ومن دون كتب. وهنا أخشى أنّ هذا العالم المعرفي، على الرغم من ازدهاره وقوّته، وهذا المعيار العالي من المعيشة والإنجاز العلمي، من شأنه أن يكون غير متحضر بعمق وسيكون خالي الروح. ستكون إنسانية آلية وميكانيكية.
4.   الحجّة الرّابعة: الأدب محرّك للعقل النقدي
 هناك سببٌ آخر لمنح الأدب منزلته الهامة في حياة الأمم. فبدون الأدب، سيعاني العقل النقدي، وهو المحرك الحقيقي للتغيير التاريخي والحامي الأقوى للحرية، من خسارة لا تعوّض. هذا بسبب أنّ الأدب الجيّد كلّه متطرّف، ويطرح أسئلة حادة عن العالم الذي نعيشه. في كل النصوص الأدبية العظيمة، وغالبًا دون قصدٍ من الكتّاب، توجد نزعة تحريضية. فالأدب لا يقول شيئًا لمن هم راضون بما لديهم، لمن يرون الحياة بما يعيشونها الآن. الأدب هو قوت الروح المتمردة، هو إعلان عدم الانقياد، هو ملجأ لمن لديهم القليل جدًا أو الكثير جدًا في الحياة. الشخص منّا يبحث عن ملاذه في الأدب حتى لا يكون هادئًا ومطمئنًا.
إنّ ما يزخر به الأدب من تجارب حياتية ليس إلاّ طرقا اخترعناها لنجرّد أنفسنا من أخطاء وإملاءات الحياة الواقعية الظالمة، هذه الحياة التي تجبرنا دائمًا أن نكون الشخص نفسه بينما نتمنى أن نكون مختلفين لكي نرضي رغباتنا التي تتملكنا.
يهدّئ الأدب هذا الاستياء الحيوي للحظات، لكن في هذه اللحظات الخارقة، في هذا التعليق المؤقت للحياة، هذا التوهيم الأدبي ينقلنا خارج التاريخ، ونصبح مواطنين لأرض خالدة، لا تنتمي للزمان. فنصبح أكثر حساسية، وثراء، وأكثر تعقيدًا وسعادة، وأكثر وضوحًا ممّا نحن عليه في حياتنا الرتيبة. عندما نغلق الكتاب ونتخلى عن الخيال الأدبي، نعود إلى وجودنا الفعلي ونقارنه بالأرض المذهلة التي غادرناها توًا. وياللخيبة التي تنتظرنا! لكن هناك إدراكًا هائلًا ينتظرنا، وهي أنّ الحياة المتخيَّلة من الرواية أجمل وأكثر تنوعًا، أكثر فهمًا وأقرب للكمال من الحياة التي نعيشها ونحن واعون، تلك الحياة التي تحدّها الظروف وضجر الواقع. بهذه الطريقة، نرى الأدب الجيد الحقيقي دائمًا كهدّام، كمتمرّد، كمقاوم، هو تحدٍّ لما هو موجود.
فوق مهمته لاستمرارية الثقافة ولإثراء اللغة، فإنّ أكبر مساهمة للأدب في التقدّم البشري (دون قصد في معظم الحالات) هي تذكيرنا بأنّ العالم جُعل سيّئًا، وأنّ من يدّعي العكس من الأقوياء والمحظوظين يكذب، وأنّ الكلمة يمكن أن تُطوَّره، لأنّها أقرب إلى العوالم التي يستطيع خيالنا ولغتنا تشييدها. المجتمع الحر والديمقراطي يجب أن يحتوي مواطنين واعين بالحاجة المستمرة للكلمات التي نعيشها ونحاول – بالرّغم من أنّ المحاولة تكاد تكون مستحيلة – أن نجعلها تشبه العالم الذي نودّ أن نعيشه. وليس هناك من وسيلة أفضل من قراءة الأدب الجيد لإثارة عدم الرضا بما يوجد، وتكوين مواطنين ناقدين ومستقلّين عمّن يحكمهم، ويمتلكون روحية دائمة وخيالًا نابضًا
مع ذلك، أن يُوسَم الأدب بالتحريض لأنه يؤجّج وعي المواطن بعيوب العالم لا يعني بالضرورة – كما تظنّ الحكومات والكنائس، ولذلك أنشأت الرقابة – أنّ النصوص الأدبية ستثير اضطرابات اجتماعية أو تسرّع نشوء الثّورات. لا يمكن التنبّؤ بالتأثير الاجتماعي والسياسي لقصيدة أو رواية أو مسرحية، لأنها لم تصنع بشكل جماعي من عدة خبراء. تصنع هذه الأعمال من قِبل أفراد وتُقرأ من قِبل أفراد ممّن تختلف استنتاجاتهم بشكل كبير عندما يكتبون أو يقرؤون. لذلك من الصعب، بل من المستحيل، أن تنتج أنماطًا وردود أفعال دقيقة. إنّ ندرة تأثيرات الأدب لا يعني أنها ليست موجودة. ما يجب التأكيد عليه فقط هو أنها آثار صنعت من قِبل مواطنين تغيرت شخصياتهم جزئيًا بسبب الكتب.
خاتمة
ليس الأدب نشاطا للمترفين، أو تسلية نملأ بها أوقات الفراغ. إنّه نشاط لا غنى عنه لتشكيل المواطنين في مجتمع حديث وديمقراطي، مجتمع مواطنين أحرار. إن أردنا أن نتجنب فقر خيالنا، ونتجنب اختفاء ذلك الاستياء الثمين الذي يهذب حساسيتنا ويعلمنا التحدث ببلاغة ودقة، فيجب أن نتصرف. وبعبارة أدق، يجب أن نقرأ.