vendredi 4 juillet 2014

كسّار، باسا، الشريف

كسّار هو خال أبي، يعرفه الجميع بهذه الكنية... أفهمني أبي أنّه من العيب ومن قلّة الأدب مناداة خاله بكسّار... وهو ما أجّج فضولي لمعرفة سرّ هذه الكنية... صاحبني ذلك الفضول الحارق حتّى صادف أن سمعت ذات يوم "مامّة" زوجة كسّار وهي تردّ في فحش على ممازحات النساء المجتمعات في لمّة شاي ذات عشوية بدار الحاج، زوج سلفتها. قال لي أبي بحزم أنّ كسّار هو بلقاسم الشريف وما أدراك، ولابأس من أن نناديه داخل العائلة الموسّعة "باسا" احتراما وتودّدا. هو تاج رأس جدّتي "مية" الفخورة به دون أسباب وجيهة وظاهرة لنا نحن الأطفال. لم يمنعه فقره الشديد من أن يكون أنفه دائما في السماء. وكما تقول جدّتي "بلقاسم خويا ما يرشفهاش لحتى حد" متحدّية  أختها عانس كلّما اشتكت من تطاول أخيها باسا على زوجها الحاج التاجر الميسور. كثيرا ما يدفعه إحساسه الحاد بالعدل والكرامة إلى معارضة تصريحات الحاج التي تبدو له متهافتة، ولو كانت صائبة، لأنّ فيها رائحة الصلف المؤسّس على الثروة ودكتاتورية لقب الحاج. صحيح أنّ بيت الحاج كان يجمّع كل فروع العائلة الموسّعة في المناسبات والأعياد والعشايا. لكنّ كبير العائلة كان عندنا جميعا باسا وليس الحاج. 
والحق أنّ بيت الحاج كان عامرا بالأولاد والبنات والكنّات والأصهار والأقارب، وفير النعمة والرّزق، ومقصد كل محتاج... يلمّنا جميعا ويغمرنا بدفء العائلة فيجد فيه الكبار والصغار ما يرضيهم ويؤنسهم. تنصب النّسوة كانون الشاي في طقوس احتفالية وتطردن الأطفال من حولهنّ حتى يمكنهنّ الحديث على راحتهنّ. وتنزوي الصبايا في المطبخ لإعداد الأكل والتحادث في ما يهمّهنّ، بينما نتجمّع نحن الأطفال في السقيفة الظليلة الواسعة المفضية إلى حوش الدواب والدجاج حيث تربي خالتي الماعز والإوز والدجاج والأرانب. نتوزّع هناك أزواجا حيث يختار كل منّا بنتا من أقاربه تلعب دور الزّوجة ويتصرّف معها كرب أسرة فيجلب لها البيض المسروق من حوش الدواب ويدخّن أمامها بقايا السجائر التي يجمعها من محيط الحوش، بينما تنظّف الزّوجة الدّار، التي هي عبارة عن حيّز ترابي نخط حدوده على الأرض بعود، وتطبخ الطّعام وتطيع أوامر زوجها وتستجيب لطلباته. ونظل على تلك الحال من التدرّب على حياة الكبار حتى يصيح أحدنا مع اقتراب منتصف النهار، مبشّرا "الحاج جاء، الحاج جاء". وذلك معناه أنّ الحاج قد عاد من السوق بعدما أغلق الدكّان لاستراحة الظهيرة. يتخلّى أحفاده عن ألعابهم معنا ويهرعون إليه مستقبلين متطلّعين إلى ما سيوزّعه عليهم من حلوى وحبوب عباد الشمس التي يكون قد دسّها في جيوب بلوزته الرمادية المشدودة الأزرار حاصرة سرواله العربي إلى أن تنتفخ القندليسة بالهواء وتفيض من فتحة البلوزة الخلفية فتغدو كإلية الكبش تتهادى ذات اليمين وذات الشمال كلّما بدّل الخطوة. يحمل كبير أحفاده عنه الدلاّعة الضخمة ويخطف منه الآخر قفّة السعف، فيما نظل نحن وأبناء باسا نراقب المشهد من بعيد. عند دخوله السقيفة يفرغ الحاج ما تبقّى في جيبه من الحلوى وعباد الشمس ليوزّعه علينا قبل أن يدخل الحوش فتتعالى أصوات النساء مرحّبة به. ينزوي في غرفته ذات المقصورة الداكنة، حيث يغيّر ملابسه ويغتسل ثمّ يتّكأ على المخدّة ملوّحا بمروحة السعف مستعجلا مدّه بكأس الشاي في انتظار وصول باسا.
يعمل كسّار "برّاحا" (مناديا) في السّوق. ويتّخذ من دكّان الحاج نقطة اتصال تربطه بالحرفاء. يقصده من أضاع شيئا ثمينا ومن أراد نعي ميّت ومن له قطعة أرض أو مصوغ للبيع، الخ. يأخذ منه كسّار البيانات ويتفاوض معه على العمولة ثم يتنحنح ويشرب جرعة طويلة من الجرّة المعلقة في شباك الدكّان قبل أن يشغّل الاسطوانة وهو لا يزال جالسا أمام دكّان الحاج، كما لو كان يسخّن لما سيتبع. وما يلبث أن يستوي واقفا ليجوب السوق بالطول والعرض مجلجلا بصوته وفق صيغ مرتّبة من الكلام تشدّ انتباه المارّة وتسحرني حتّى حفظتها. عنده قوالب معلومة للاستهلال والتخلّص والدخول في الموضوع وبيان الشروط ثم الاختتام...وقد أهّله ذلك كي يوسّع نشاطه ويصير "دلاّلا" يشهر السلع ويبيعها بالمزاد وأمينا تعهد لديه الودائع والأمانات فيوصلها إلى أصحابها. وقد أعطاه كلّ ذلك قيمة اعتبارية ووجاهة لدى تجّار السوق وحرفائه جعلا قفّة بيته مملوءة بكلّ خير سواء كان لديه مال أم لا. ولكنّ ذلك لا يكفي لتفسير ما كان يبديه من عزّة نفس واعتداد لا يتناسبان مع مستواه المادّي، والأرجح أنّ باسا كان لا يزال يحتفظ بشيء من مهابة الشباب أيّام كان صعلوكا ذا بأس.  
يتعمّد باسا أن لا يؤوب إلى الدّار الكبيرة مع الحاج، حتى لا يضطر إلى حمل الدلاّعة أو القفة فيبدو كخادم عند زوج أخته الميسور. وغالبا ما يطلب من والدي في ما يشبه الأمر، بالبقاء معه لمرافقته إلى بيت الحاج الذي يكون قد سبق في الأوبة إلى منزله بمفرده، فينفّذ والدي أمر خاله دون نقاش.
حين يصل باسا إلى الدّار تأخذ النساء في مشاكسة زوجته فاطمة التي نناديها "مامّة" فتردّ عليهن بفجور يحرج خالتي زوجة الحاج المسكينة المسالمة... وتبقى "مية"
جدّتي ممزّقة بين الافتخار بما يروج عن فحولة أخيها وضرورة الالتزام بالحياء في حضرة الرجال...
يقرفص باسا مسندا ظهره إلى الحائط قبالة الحاج ليستمعا سويا إلى نشرة أخبار الظهيرة في المذياع. تتهامس النساء ضاحكات غامزات وملوّحات باتجاه باسا الذي يكون ما بين فخذيه قد تكوّر في كومة ضخمة وبارزة. تشاكس إحدى كنّات الحاج "مامّة" قائلة "أعطي لكسّار كعبات اللّوز يكسّرهملنا بهاك المهراس" فتقرصها "مامّة" ضاحكة "ما يكسّرش بيه اش ما جاء" وتعلو بعد ذلك الضحكات الشبقة المجنونة. يومها فهمت سرّ تلك الكنية، ولماذا يصرّ أبي على صرف نظري عنها... 
يحاول باسا أن يكتم تلك الكحّة المزمنة التي تعلن عن قدومها كصوت الرّحى فتنطلق من قاع صدره قرقرة كرعد بعيد حتى تصل إلى فمه فتفصح عن نفسها كحّة متواصلة وبلغما مقزّزا. يحاول أن يكتمها حتى لا تفوته الأخبار خصوصا وأنّه لا يثق في فهم الحاج الذي كثيرا ما يختلف معه في تفسير كلام قارئ الأخبار حتى يصل الأمر بينهما إلى الشجار ونعت كلاهما للآخر بأنّه لا يفهم في السياسة. وقد يحصل أن يغادر باسا المنزل غاضبا دون أن يتغدّى منغّصا على الحاج زهوه بصورته كمجمّع للعائلة وتاركا إيّاه غارقا في الحرج يلوك التبريرات. والحق الحق أنني كنت أميل دائما إلى تفسير باسا الذي يبدو لي أقرب إلى الصواب.
كم كان يضحكني أن ينهر باسا حفيده من ابنه البكر قائلا له "لا تضرب عمّك يا شقي، إنّه أصغر منك يا ابن الكلب" ثم يلتفت إلى ابنه البكر عثمان معاتبا "كفّ أذى ابنك عن أخيك" لكنّ "مامّة" تتدخّل من زاوية النساء لتصبّ الزيت على النار "لو كان جاء الخو ينفع خوه ما يبكي حد على بوه. شدّ ولدك على ولدي يا عثمان" فيرد عثمان مناكفا إيّاها "وأنا وابني، ألسنا أبناءك؟" ولا نفهم نحن الأطفال المتحلّقين كالقطط في انتظار الطعام من هذا التشابك الدموي شيئا، ونظل نحدّق متسائلين في سرّنا "من ابن من؟ ومن عم من؟ ومن أخو من؟ ومن أبو من؟" 
يعلّق "باسا" وهو يمسح على رأس صغيره الناشج وقد اختلطت دموعه بمخاطه ولعابه وتكدّس الذباب حول أنفه، ليسكته "هذا أعزّ أولادي، لقد استرجعت به شبابي بعد محنة الحبس"، فتعلّق "مامّة" في فجور "هو الذي أعاد لك شبابك يا جاحد النعمة؟" فينهرها باسا "ضمّي فمك يا بنت محمود، خير مللي نقوم نهدهولك" وتعقّب ميّة "قدّاش تموتي على ماكلة الخراء يا فاطنة"...

دخل باسا السجن وقد تجاوز الستين من عمره، لا لجرم أخلاقي أتاه أو لخيانة مؤتمن، فقد كان أشرف الشرفاء كما يصرّ على ذلك والدي. وإنّما لأنه لم يستطع الإقلاع عن مشقّة التكروري الذي منعه بورقيبة بعد الاستقلال. كان يجلس أمام دكّان الحاج منصتا لأم كلثوم بعدما يعمّر رأسه بسبسي، طالبا منّي أن أناوله جرّة الماء المغلّفة بقماشة مبلّلة والمعلّقة في شبّاك الدكّان بين الحين والآخر ليطفأ ظمأه ثم أعيدها إلى مكانها. ولم أكن أعلم أنّ في الجرّة نبيذا حتى صادف أن وقعت ذات يوم من يدي فانكسرت. أصابني الذعر ممّا سيلحقني، لكنّ باسا المزطول، غرق في ضحك لا ينتهي وقال لي "كشفتلي حالي يا وليد أختي، الله لا يكشفلنا حال" فيما كان الحاج يرعد ويزبد في وجهه ساخطا "أنت اللي طيّرت البركة من حانوتي يا شيطان، من اليوم ما عادش تلزمني في محلي"