jeudi 7 mai 2015

"الطلياني" منّوبي

منّوبة قرية ساحرة بكل المقاييس... سكنها بايات تونس وأعيان الدّولة الحسينية وشيّدوا فيها القصور العديدة لما تمتاز به من نقاوة الهواء ولطف المناخ. تحتضنها جنان ومزارع و"فيرمات" تجود بالخوخ والبرتقال والتوت والعنب وجميع أنواع الخضر وفيها حقول قمح مترامية الأطراف...
كما تعرف منّوبة بمؤسّساتها الصحية والإصلاحية والاجتماعية (رعاية المسنين، المتخلّفون ذهنيا، المعوقون بدنيا، رعاية الأحداث المنحرفين، سجن النساء، مستشفى الأمراض العقلية، معهد القصاب لجبر الكسور والعظام)... تتجوّل في شوارعها فتجدها هادئة ومؤنسة، وتعترضك وجوه وطنية بارزة لفنّانين ومثقّفين وجامعيين وسياسيين ممّن يقيمون بها. ولكنّ أكثر عابريها لا ينتبهون إلى خصوصيّتها، ففي مقاهيها وساحاتها يوجد كثيرون ممّن أنهكت الحياة عقولهم أو أجسادهم. مسنّون كثر يغادرون مقرّ جمعية رعاية المسنّين ليجلسوا على الكراسي العمومية تحت كالاتوسات الشارع يتفرّجون في صمت على الغادي والقادم وكلّ أملهم أن يشاركهم الكرسي شخص ما ليبادلوه الحديث ويكسروا حاجز الوحدة القاتلة. كلّ منهم منجم من الحكايات والتجارب والمعاناة التي لو عرفنا كيف نبني جسور التواصل والثقة مع أصحابها لخفّفنا عليهم أعباءها واستفدنا ممّا تختزنه من دروس وقيم إنسانية... ومنّوبة هي أيضا مملكة المجانين وجنّتهم... مجانين رائعون يهيمون في شوارعها لا يؤذون أحدا، يبتسمون ويغنّون ويرقصون ويعطون للحكمة والعقل معاني أخرى...
حدّثني صديقي عادل غزالة الذي عمل السنين الطوال في أحد مراكزها الصحية النفسية عن تجارب في الإحاطة بالمرضى النفسيين يقوم بها دكاترة أجلاّء من مستشفى الرّازي. تجارب تنجز في الخفاء خارج أسوار المستشفى مسرحها شوارع منّوبة وأسواقها. حدّثني عن دكتور يزرع مرضاه في سوق الخضار البلدية حيث يضع على ذمّتهم "نصبة" متواضعة من الخضار ويدعوهم إلى تعاطي التجارة ويظلّ يراقبهم خفية مسجّلا تفاعلهم مع الزبائن: هل يتقنون التخاطب وعملية البيع؟ هل يعرفون حساب النقود قبضا ودفعا؟ هل يتحكّمون في بضاعتهم ولا ينصرفون عنها؟ ويستمدّ من ملاحظاته تلك مؤشّرات تدلّ على تطوّر الحالة النفسية لمرضاه الذين لا  أحد من روّاد السوق يعرف أنّهم مرضى، ومن ثمّة يقدّر مدى نجاحه في إعادة إدماجهم الاجتماعي. هذه واحدة من عدّة تجارب سمعت عنها أو رأيتها يقوم بها تونسيون في صمت وباقتدار دون ضجيج ولا تبجّح. ويقيني أنّ هناك مجالات أخرى لا تزال عذراء ولا تنتظر غير خروج الجامعيين من أسوار كلياتهم والنزول إلى شوارع هذه القرية الرّائعة لإنجاز تجارب وبحوث ميدانية مبتكرة...
ومنّوبة إلى ذلك قطب جامعي تستقبل من الطلبة ضعف عدد سكّانها الذين لا يتجاوزون ثمانية وعشرين ألف نسمة خارج الموسم الدّراسي. وهو ما يسبغ على مطاعمها وشوارعها ومقاهيها طابعا شبابيا جليا... لكنّها للأسف تفتقر إلى المكتبات ودور السينما والمسارح وقاعات المعارض التشكيلية والملاعب الرياضية والحدائق العامّة... ولكنّها تفاخر بأجمل مدينة جامعية مندمجة في البلاد التونسية رغم ما يخيّم على مرافق هذه المدينة من سبات ورتابة...
أغلب أهالي منّوبة لا يعلمون أنّ أحد أبنائهم بالتبّني وبالممارسة المهنية، حاز هذه الأيّام جائزة أدبية عالمية... ولا لوم عليهم في ذلك، فجامعتهم ظلّت لسنوات تدير لهم ظهرها لأسباب سياسية لها تشعّبات اقتصادية وثقافية... والجامعيون الذين يعملون فيها أغلبهم لا يسكنون منّوبة، ليس هربا منها ولكن لأنّ الدولة التي أقامت أحياء سكنية للقضاة والمحامين والصحفيين والضبّاط وأعوان الصناديق الاجتماعية لم تر فائدة من إقامة حي سكني للجامعيين، بل ولعلّها رأت في ذلك خطرا، فحكمت عليهم بالتشرّد والكراء في أحياء شعبية بعيدة والسكن على وجه الإحسان عند الأصهار والوالدين... لا لوم على أهالي منوبة في جهلهم لمجريات الحياة داخل جامعتهم لأنّهم لم يستفيدوا من وجودها بين ظهرانيهم بشيء... لم يستفيدوا من فتح المطاعم والمشربات وتقديم خدمات الحدائق والتزويد والصيانة...
كم حلمت أن يتجسّد انفتاح جامعة منّوبة بالذات على محيطها عبر مهرجان أدبي كبير في جنان مدينة منّوبة أو ترميم إحدى "الفيرمات" القديمة وتحويلها إلى مركز للمؤتمرات والندوات العلمية أو احتضان مقرّ المركز الإفريقي لتدريب الصحفيين والاتصاليين أو تنظيم مهرجان سنوي لبيع الكتب القديمة وتبادلها في شكل سوق تقام لمدّة أسبوع ربيعي على أرصفة شوارعها من قلب المدينة إلى غاية المدينة الجامعية...
كان أندري مالرو وزيرا للثقافة لدى شارل ديغول، ولكنّ جاهه وشهرته جاءاه من صفته ككاتب وفيلسوف أكثر من كونه وزيرا... الأمر يكاد يكون قاعدة تتكرّر مع كلّ المبدعين والفنانين الكبار، وأذكر منهم على سبيل المثال: طه حسين، فاكلاف هافال، ميكوس تيودوراكيس، ليوبولد سيدار سنغور، المسعدي...
أجزم أنّ سعادة العميد والناقد والباحث اللساني ورئيس الجامعة شكري المبخوت بتتويج رواية الطلياني بجائزة البوكر لا تضاهيها سعادته وفخره بكل صفاته ومنجزاته وألقابه الأخرى... للفنّ سحر وألق يمنحان صاحبه أجنحة يحلّق بها عاليا جدّا... لو لم يكن المسعدي وطه حسين وفاكلاف هافال ومالرو أدباء لما أنجزوا ما أنجزوه، ولكان مرورهم بالسياسة باهتا... للفن مذاق ووقع آخران...
لذلك، ننتظر أن نلمس بصمات "الطلياني" بجوائزها العديدة على جامعة منوبة وعلى الحراك الأدبي والفني فيها... فرئيس جامعتنا صار الآن أيقونة عالمية وجواز سفر يمكن أن يفتح لجامعتنا آفاقا رحبة... جامعة منّوبة تضمّ أعرق كلية آداب بالبلاد، وفيها أساتذة متميّزون بقسم الآداب واللغة العربية، وفي جامعة منّوبة معهد للصحافة، ومعهد للتوثيق ومعهد لفنون التصميم ومعهد لفنون الملتميديا ومركز بحوث ودراسات حول تاريخ تونس المعاصر، ووو... وتحتضن كلية آداب منّوبة مهرجانا أدبيا طلابيا عريقا يفخر بكونه استدعى محمود درويش وأدونيس وغيرهما... كما أنّ مدارج كلية آداب منوبة ومعهد الصحافة شاهدة على مرور العمالقة بها... لمّا تدخل قاعة حسن حسني عبدالوهاب وتتأمّل صور العمداء السابقين الذين أداروا تلك الكلية وهم يثبّتون عليك أنظارهم تشعر وكأنّهم يتلون عليك وصيّة متوارثة، وشكري المبخوت واحد ممّن تناوبوا على عبء تلك الوصيّة ومرّروها إلى غيرهم...
ننتظر من العميد ومن رئيس الجامعة ومن الروائي العالمي شكري المبخوت أن يستثمر ما صار يمثّله كرأسمال رمزي عالي القيمة في تحسين ترتيب جامعة منّوبة بين الجامعات العالمية، وفي تنظيم أرقى الندوات والملتقيات العلمية والنقدية والفعاليات الثقافية... ولتأخذ مدارج قرطاج الحداثة وابن خلدون وغلاديس عدّة وحسن حسني عبدالوهاب نصيبها في احتضان الفعاليات التي ستعقب الفوز بالجائزة... مرحبا بالصحفيين وبالسينمائيين وبالناشرين وبالروائيين وبالأدباء الشبان من الطلبة وغير الطلبة في رحاب المدينة الجامعية الأجمل والأبهى في تونس...
وعد العميد المبخوت عند ترشّحه لرئاسة جامعة منّوبة بإقامة برج البحث العلمي، وبتأسيس إذاعة جامعية قد تتطوّر إلى قناة تلفزية وبكسر العزلة بين جامعة منّوبة ومحيطها لا بنزع السياج الحديدي كما كان يحلو له أن يذكّر ولكن برفع الحواجز النفسية والذهنية... وأنا واثق من جدّيته وصدق نواياه... وأعلم أنّ ظرف البلاد وإمكاناتها خذلاه...
علينا أن نحوّل النجومية إلى رأسمال رمزي يمكن استثماره في تطوير الفكر والإبداع وأن نحرّرها من احتكار لاعبي الكرة والمزاويدية ونوّاب البرلمان... وقد بدأ شكري المبخوت ذلك من خلال تأسيسه لجائزة أكاديميا للإعلام التي تحوّلت إلى مرجع ومحطّة يرنو إليها الصحافيون والإعلاميون...