dimanche 6 septembre 2015

عن المدرسة، مجرّد أفكار لا غير

اعتمدت وزارة التربية في ثمانينات القرن الماضي تصميما هندسيا نموذجيا لتشييد العديد من المعاهد الثانوية في البلاد، فظهرت في كثير من المدن معاهد متشابهة تجعل زائرها يستطيع التعرّف على مكتب الناظر أو على "صال ديس" وهو مغمض العينين. وقد دفع الوزارة إلى هذا الخيار حرصها على التحكّم في الكلفة. ولكنّها تلافت ذلك في السنوات اللاحقة وصارت تسعى إلى التنويع من خلال تكييف المبنى مع خصوصيات بيئته المناخية والتراثية والاجتماعية والاقتصادية. شخصيا، لا أستطيع الجزم أيّ النموذجين أفضل. من السهل القول أنّ في اعتماد التصميم الموحّد طمس للخصوصيات والتنوّع وتعليب للحياة على طريقة الأنظمة التوتاليتارية. ولكن كيف يرفض البعض هذا في المباني ويقبلونه عندما يتعلّق الأمر باعتماد الزي الموحّد بداعي أنّ من فضائله طمس الفوارق الاجتماعية بين التلاميذ والتقريب بينهم والقضاء على عقد النقص أو التعالي؟
أخلص من هذا إلى أنّ التعامل مع الشأن التربوي، من البرمجة والتخطيط إلى التدريس، أمر بالغ الحساسية والتعقيد. وتمثّل المباني والأفضية إحدى أهمّ النقاط حساسية.
شخصيا درست في مدرسة إعدادية بنايتها عبارة عن مقلمة فيها أدراج عدّة تفتح لتبتلع التلاميذ. بناية قِبلية مستطيلة تصلاها الشمس من الواجهة صباحا ومن شبابيكها الخلفية بعد الظهيرة فترى التلاميذ والأساتذة كالدواجن المحبوسة في الأقفاص وقد فتحت مناقيرها من لظى الحر وتسارعت أنفاسها عطشا. قاعات مصفوفة في خط مستقيم ومسطّح لا يسمح بأية حميمية أو باستراق أيّ نظرة أو تبادل أيّ ابتسامة بين الفتيان والفتيات المراهقات. ثكنة عسكرية أو معتقل بأتمّ معنى الكلمة تسير الحياة فيه على إيقاع صفّارة يطلقها القيّم العام في أوقات معلومة كصفّارة السجن.
بعد ذلك، انتقلت للدراسة بمعهد ثانوي عملاق يتجاوز عدد قاعاته الخمسين. هو قلعة حصينة عالية الأسوار فيه ساحات متعدّدة ومتفاوتة الارتفاع تربط بينها مدارج وجسور ضيّقة تحفّها أشجار كالاتوس عملاقة. فيه قاعات تحت أرضية
وورشات ميكانيك مجهّزة بآلات هادرة تجعلها في أذهاننا أقرب ما تكون إلى المصانع ومخابر كيميائية وورشات إبداع فني وملاعب كرة وقاعة رياضية فسيحة متعدّدة الاختصاصات تتوفّر على حشيات للجمباز ومقصورات فردية لتغيير الملابس وأدواش، وفيه كذلك مسجد ومشربة وإذاعة محلية تبث الموسيقى السمفونية الراقية في أوقات الراحة وقاعة تمريض ومبيت مختلط ومطعم ومكتبة وحديقة مملوءة بالورود تتوسطها نافورة رخامية أمام مكتب المدير. وتكثر فيه الزوايا والمنعرجات التي توفّر الظلال في الظهيرة وتخلق تيارات الهواء البارد في الشتاء فتضفي على المكان مناخات رومنسية وتسمح للمغامرين والمغامرات بضرب المواعيد الغرامية.
هكذا أدركت أنّ المهندسين المعماريين لا يهندسون فقط الأفضية ويؤثّثونها بمكعّبات حجرية تسمّى قاعات وإنّما هم يهندسون العقول وينحتون النفوس ويؤثّثونها بالأفكار وينفخون فيها المشاعر ويزوّدونها بالذكريات.
واليوم، يجري الحديث عن حملة تطوّعية وطنية لتعهّد المدارس وصيانتها، وعن قرب توقيع اتفاقية بين وزارتي التربية والفلاحة لتشجير المدارس. وهذا أمر جميل تحمّس له الكثير من المثقفين والفنانين ورجال الأعمال والمواطنين والإعلاميين كلّ بما يستطيع.
ارتفعت حرارة قرّة عيني "أماني" فأخذناها إلى عيادة طب أطفال خاصّة تقع في شقة بعمارة مجاورة لنا. وهناك وجدنا طابورا بالعشرات فأسندت لنا الممرّضة رقم ثلاثين ونصحتنا بالعودة بعد أربع ساعات. لمّا عدنا كانت الأرقام قد تجاوزت الأربعين. قام الطبيب بواجبه على أحسن وجه وأشار علينا بالخلاص عند الممرّضة التي قبضت مني أربعين دينارا... وبعد عملية حسابية ذهنية بسيطة قالت لي زوجتي "يبلغ دخل هذا الطبيب في اليوم الواحد مليونا وست مائة دينار، أي لا يقل عن خمسة وأربعين مليونا في الشهر، فما ضرّ لو يتبرّع كل طبيب من هؤلاء وما أكثرهم في البلاد بألف دينار لمدرسة ابتدائية؟؟" استفزّني تساؤل زوجتي ولكنّني خمّنت أنّ هناك حلقة مكسورة في الموضوع، لأنّه من المحتمل أن يتبرّع مثل هؤلاء الأطباء بمثل هذا المبلغ وأكثر للمدارس، لكن من الأكيد أنّهم لن يتردّدوا في فعل ذلك إزاء مدرسة يربطهم بها حنين وذكريات جميلة أو حزينة. فكم من مدرسة اليوم تحرّت في أسماء من مرّوا بها وما صاروا إليه؟ قد يكون هذا الطبيب الثري جدّا والمستقر اليوم في منّوبة أصيل أحد أرياف سليانة أو تطاوين، فلو دقّ بابه مدير مدرسته الابتدائية وطلب منه مساعدة لكان من الصعب عليه أن يرفض. وهكذا علينا أن نفعل مع مشاهير الفنانين والرياضيين ورجال الأعمال الذين أنجبتهم مدارس هذه البلاد...
أمّا عن الاتفاقية مع وزارة الفلاحة للتشجير، فيبدو لي أنّ الأهمّ من ذلك كلّه هو تحفيز التلاميذ للمشاركة في هذه الحملة من خلال أشكال مبتكرة كأن يتبنى كلّ تلميذ أو مجموعة تلاميذ شجرة، يطلق عليها اسم التلميذ ويمسك لها كنّشا للمتابعة يسجّل فيه التطوّرات الصحّية ونظام سقايتها، على أن يرفق ذلك بنظام حوافز في البرنامج الدراسي من خلال دروس تطبيقية خاضعة للتقييم تكون أشجار المدرسة مدارها وموضوعها. هكذا يتماهى التلميذ مع الشجرة ويربط مصيره بمصيرها فيتبنّاها ويعيش بها...
مجرّد أفكار لا غير