vendredi 10 juin 2016

عمّتي البدرية

هي بدرية أمّها. وضعت ما بين سنتي 1948 و1965 ستة عشر مولودا لم يعش منهم إلاّ ثلاثة، الثالث والسابع والأخير، وكلّهم من الذكور. لم يستجب الرّب لدعواتها في أن يحفظ لها ولو بنتا واحدة... كان الموت يحصد مواليدها ما بين لحظة الولادة والسنة الثانية في أفضل الأحوال... لمّا جئت إلى هذا العالم، كان الموت قد فعل فعله فيها فشكّل شخصيتها وطبع سلوكها ورسم ملامح وجهها. شديدة هي، صبورة، صموتة، ميّالة إلى العزلة، كثيرة الدّعاء بالشرور على أولادها الثلاثة، ولا تبتسم أبدا... يقع منزلها الكئيب في أعلى هضبة تحيط به رمال ناعمة وتنتصب في صحنه نخلة عالية تظهر من وراء جدران الطوب الهرمة، فتبدو كصومعة أو منارة... قليل من كان يزورها، إلاّ لحاجة ماسّة لا يقضيها غيرها. كانت معروفة بشطارتها في خلع الأضراس المريضة وامتصاص الدّم بالمغايث وتشليط النواظر والجبين لتنفيس الرأس المصابة بالصداع. لم يكن تجنّب النّاس لها لكره أو نفور، ولكن تقديرا منهم لألمها المزمن. بالعكس فقد كانت محلّ شفقة وتقدير لصلابتها وصمودها. كنت أسمع عنها ولا أعرفها حتّى سنّ العاشرة، تاريخ أوّل زيارة أدّيتها إلى مسقط رأس والدي في واحات الجريد الصحراوية. وفيما ارتاح إخوتي لدار خالتي التي كانت تعيش في بحبوحة ورفاه، وجدت نفسي مشدودا إلى عالم عمّتي في حوش الطوب الكئيب. كان إخوتي يقضون يومهم في الواحة الظليلة المنعشة حيث يملك زوج خالتي عدّة غابات (ضيعات). "يصوّبون "إلى الغابة على ظهور الحمير منذ الصباح قبل اشتداد الحرّ، فيعومون في عيون الماء الباردة ويقطفون الخوخ والتين والعنب ويمرحون فوق الأعشاب، ولا يرجعون إلاّ بعد الظهيرة محمّلين زنابيل الحمير بالحشيش وما لذّ وطاب من الثمار... أمّا أنا، فأجلس إلى زوج عمّتي ذي الملامح البربرية الصارمة بعينيه الخضراوين المتقّدتين ووجهه الشاحب وأسنانه البيضاء التي لم يفقد منها واحدة وشاربه النحيف المشذّب بعناية. كان رجلا نحيفا ظريفا ونظيفا يتحرّك ويتكلّم كالمخطوف عقله. كم كان يحلو لي أنّ أشبهه في سرّي بكلب السلوقي في نحافته ونظافته ورشاقته، ولكنّني لم أكن أجرؤ على إعلان ذلك مخافة أن يجرحه التشبيه بكلب. كان يحبّ الاتّكاء في السقيفة الظليلة المرشوشة بالماء وشرب الشاي الأحمر الخاثر والاستماع إلى الأخبار بالمذياع وهو يلوّح بمروحة السعف طلبا للهواء. يقال أنّه من مدمني التكروري. وكانت عمّتي لا تني تقرّعه على تكاسله وتشيح بوجهها عنه. ولكنني كنت على يقين بأنّها تحبّه.

شيء واحد كان يخيفني ويثير الرّعب لديّ في منزل عمّتي، هو الدخول إلى بيت الرّاحة. تدفع بابا حديديا صدئا مشدودا بحبل بال لتجد نفسك في حوش صغير غير مسقوف ربطت فيه معزتان جَرْبَاتَان دامعتا العينين وسائلتا الأنفين بمخاط لزج. تتجاوزهما بخطوتين لتصعد ثلاث درجات أو أربع فتجد نفسك واقفا فوق مربّع كالحفرة محاط بجدار يناهز ارتفاعه المتر ومسقوف بأنصاف جذوع النخيل التي تفصل بينها مسافات لا تتجاوز العشرين سنتيمترا. ولقضاء حاجتك عليك أن تنزل سروالك وتقرفص فوق جذعي نخل وتنزل ما في جوفك في الفراغ الفاصل بين الجذعين. تطلّ تحتك فترى الخراء اليابس والطريّ والذباب من جميع الأحجام والألوان يغمر الفضاء بطنينه. يصيبك الدّوار وترتجف ساقاك فوق جذعي النخل. يُتْرَكُ الخراء متكدّسا في العراء حتّى يجفّ، ومن ثمّة يأتي حمّال على عربة مجرورة ببغل، ليسحبه من فتحة في جانب المربّع وينقله إلى الغابات ليبيعه للفلاّحين كسماد...

في ذلك الصّيف كانت البلدية قد ثبّتت فانوس إنارة عمومية على عمود يقع فوق سطح بيت عمّتي. فصار الأقارب يتجمّعون ليلا تحت ضوء الفانوس ويتمدّدون فوق الرمال الناعمة ليتسامروا... كان زوج عمّتي سعيدا بتلك الحظوة التي لم يفز بها جاره خال أمّي رغم ثرائه.ووجاهته  ولم يكن يهمّه كثيرا أنّ هذا الخال يقاطع تلك المسامرات. فقد كان سعيدا بالتفاف بقية الناس حوله. كلّ شخص يأتي إلى المجلس حاملا معه ما تيسّر من الثمار أو الشرب. لبن وبطّيخ ورطب وشاي وفول سوداني وحلوى شامية ومشاميم فل وياسمين. ثمّ يتحلّق الرّجال حول طاولة الديمينو أو حصيرة الرّوندة فيما تنزوي النساء يتسامرن ويخرّفن الأحاجي للأطفال... كانت صوت السعال المزمن لخال أمّي الجاثم في سقيفته المظلمة كأسد هرم يتناهى إلى أسماعنا. وكنّا نتبيّن بصقته في علبة الطماطم الفارغة المملوءة بالرّمل إلى حدّ المنتصف. كانت عمّتي تصرّ على إرسال كأس الشّاي الأحمر إليه رغم رفضه في كلّ مرّة. سمعت خالي الكفيف يقول مرّة معلّقا على عناد عمّتي في إرسال كأس الشاي إلى خاله، أنّ وراء الأمر سرّا لا يعلمه إلاّ هو. يحصل أن يرصد أحد الساهرين عقربا تزحف فوق الرّمل فينبّه الحاضرين... ويحصل أن يأخذ النوم بعضهم فيسترسل في نعاسه إلى غاية أذان الفجر... وكان يعنّ لعمّتي التي لا يعرف الفرح إلى نفسها سبيلا، أن تغيب في فناء الحوش لفترة قبل أن تخرج على الساهرين في زيّ عامل منجمي كامل من الخوذة إلى البدلة الزرقاء إلى الحذاء المصفّح. وهي ماسكة بين يديها فانوس الكربون والمعول والرّفش... كانت تلك طريقتها في الترحيب بعائلات إخوتها الذين نزحوا من أرض الجريد للاستقرار بمدينة منجمية تبعد سبعين كيلومترا طلبا للرزق وهربا من الفقر... كانت تلك أيضا طريقتها في المفاخرة بإخوتها الذين وإن تركوها وحيدة تواجه الموت، لكنّهم تيجان على رأسها ونصيروها على كلام النّاس وشفقتهم المذلّة لها... لمّا ماتت عمّتي إثر غيبوبة طويلة بفعل مرض السكّري، وجدنا تحت حشيتها مئات من قراطيس الحلوى... لم يكن لها من سعادة أو لذّة في حياتها سوى طعم السّكّر...