lundi 18 juillet 2016

سوق "شاربان" الأسبوعي ومنتزه "رأس الذّهب" Le Marché des Charpennes et le Parc de la tête d'or

جمعتني دردشة فايسبوكية مع الصديق عزالدين البوغانمي المقيم بفرنسا... كان هو على متن قطار يدخل مدينة ليون قادما إليها من سانت-إتيان. وكنت أنا على الطرف الآخر منزويا على كرسي ثابت بمقهى في مسقط... لمّا علم بوالعز أنّني عشت في ليون سبع سنين راح يلتقط صورا للمدينة من نافذة القطار ويحوّلها فوريّا إليّ... أجّج فيّ الحنين إلى جزء من حياتي كنت أحتفظ به في زاوية من الذاكرة العميقة مؤجّلا دوما الرّجوع إليه لترتيبه ونفض الغبار عنه. ولكنّ صورة القطار وهو يمرّ أمام بوّابة منتزه "رأس الذهب" جعلت الذكرى تفيض فجأة في الرّأس حارقة ولكن عبقة برائحة زكية كركوة قهوى تركية...

سوق شاربان الأسبوعي Le Marché des Charpennes
فيلّوربان، ليون، فرنسا... صباح أحد شتائي من سنة 1997... أتمطّى في فراشي بجانب النافذة المطلّة على الساحة المعشّبة. ومن مكاني في الطابق السادس عشر، ألقي نظرة لأستطلع حركة الشارع... الأرض مغلّفة ببساط غير سميك من الثلج الذي لا يزال يتساقط في مهل نتفا قطنيّة تكلّل رؤوس الأشجار وتغطّي السيّارت الراسية في المواقف. الممرّضة العانس الجزائرية، كعادتها كلّ صباح بعد عودتها من دوامها الليليّ، وقبل أن تخلد إلى نومة نهارية طويلة، تفسّح كلبها العجوز الضخم مكتوفة الأيدي وهي تنفث دخان سيجارتها المختلط مع بخار أنفها. الحبيبان الفرنسيان في شقة الطابق الثامن بالعمارة المقابلة كعادتهما يمارسان الجنس متعمّدين عدم سحب الستارة، لست أدري إن كانا يبحثان عن إثارة نفسيهما أم إثارة من يتفرّجون عليهما. التدفئة المركزية للشقة عالية إلى درجة تجعلني أنزع جميع ملابسي وأنام دون غطاء. آخذ دشّا سريعا وألبس ثيابي على عجل لألتحق بسوق "شاربان" الأسبوعي... يتوقّف المصعد الكهربائي في الطابق الحادي عشر ليلتحق بي ذلك البوهيمي الوسخ ومعه كلبه. رائحة النبيذ الرخيص تمتزج بلهاث الكلب فتسدّ عليّ النفس. يحيّيني جاري البوهيمي المهذّب بلسان أثقلها السّكر وهو لا يكاد يفتح عينيه ثمّ يدغدغ كلبه ناهيا إيّاه عن لحس ساقي بلسانه الممدود.
لا مطر ولا ثلج ولا حرارة تعطّل انتصاب الباعة صبيحة كلّ أحد في ساحة شاربان والأنهج المؤدّية إليها. مهرجان بديع يتقاطر عليه الناس من كلّ نواحي مدينة ليون. غجر منتشرون في السوق بشعورهم الشقراء ولحيّهم الكثّة وملابسهم الطويلة والمزركشة، يعزفون على الكمنجات والآرمونيكا ألحانا راقصة رغم ما ترشح به من حزن وألم، ويجمعون القطع النقدية في طرابيشهم المطروحة على الرّصيف. واقيات بلاستيكية مشدودة إلى أعمدة حديدية مثبّتة في الأرض مشكّلة دكاكين لباعة الخضار والفواكه الذين هم في الأصل فلاحون يبيعون منتجات ضيعاتهم مباشرة دون المرور بوسطاء تجاريين. وجوههم وملابسهم ولهجتهم وضحكاتهم تجعلك تكتشف وجها آخر لفرنسا، هو وجه فرنسا الأعماق بريفها المختلف عن سكان المدن الشقر بأناقتهم وعاداتهم الحضرية. فلاّحون يبيعون الزهور والخضار والغلال والدجاج والبيض والأسماك. الوفرة والجودة والسعر كلّها عوامل تجعلك تشعر أنّك في بلاد خير ونعمة. ولكن خصوصا بلاد عمل وكدّ.
في جناح آخر يصطف باعة الملابس الجاهزة والزرابي والمفروشات والستائر والأغطية. يليهم باعة الماعون والتجهيزات المنزلية. وهم أبدع ما في السّوق. سرك حقيقي يستعرض فيه الباعة محاسن سلعهم بشتى الطرق والمهارات. هذا يرمي الصحون في الهواء لتسقط أرضا دون أن تنكسر فيتهافت الناس على شراء بضاعته، وذاك يشرح للناس المتحلّقين حوله الوظائف المتعدّدة لآلة يدوية صغيرة تسمح بتقشير الخضار وتقطيعه إلى أشكال فنية وهندسية: ورود من الطماطم ولوالب من الفلفل ونجوم من الخيار وكرات من البطاطا، إلخ. وكالعادة يتهافت الناس على الشراء بمجرّد انتهاء العرض. والآخر يجري تجارب على قطع قماش متّسخة بالدهون والزيوت ليبيّن فاعلية منتوجه في إزالة البقع فوريا. وزميلنا عبد السلام التونسي المسجّل معنا في الدكتورا يبيع شرائط موسيقى أحمد الخليفي ودحمان الحرّاشي للمهاجرين الجزائريين والتوانسة.
حانات صغيرة منتشرة في الطوابق الأرضية للعمارات المحيطة بالساحة، بلّورها معتّم بفعل اختلاف درجة الحرارة ما بين الداخل والخارج. هي فضاءات صغيرة يرتادها في الأيّام العادية سكّان تلك العمارات، أقرب ما تكون إلى صالونات جماعية، يتطارح فيها مرتادوها شؤونهم المشتركة ويتمازحون ويروّحون عن النفس. الكلّ يعرف الكلّ، فيها المتقاعد والشاب والطالب والمرأة، بعضهم يطالع مجلّة وبعضهم يلعب على آلة الفليبار وبعضهم يحبّر مقالا أو يعمّر مطلبا أو ورقة تيارسي، وبعضهم يفاوض جليسه لإتمام صفقة وقد تصادفك عجوز مسيحية أو يهودية تتسلّى بالطريزة وراء شعاع الشمس المتسلّل عبر البلّور وبجانبها كلب اللابرادور الجاثم في أمان. في يوم السوق الأسبوعية، يختلط الزبائن المنتظمون بالتجّار والباعة القادمين من الريف الفرنسي وبالمشترين القادمين من عدّة أنحاء وفيهم كثير من المهاجرين العرب. فيحرص أبناء الدّار على إتيان حركات تشعر الآخرين بأنّهم دخلاء وأنّ للمكان قواعده وأهله الذين لابدّ من احترامهم.

منتزه "رأس الذهب" Le Parc de la tête d'or
هو حديقة تمتدّ على آلاف الهكتارات جمعت بين المساحات العشبية المنبسطة والأدغال الغابية الكثيفة تتوسّطها بحيرة اصطناعية تتغذّى من نهر "الرّون" بشكل يجعل مياهها متجدّدة فلا تأسن ولا يغشاها الخزّ والطحالب. تحلّيها زوارق رياضية زاهية الألوان معروضة للإيجار لمن يرغب في فسحة مائية. تتجمّد مياه البحيرة شتاءا فتغدو فضاءا مفتوحا للتزلّج... يضمّ المنتزه متحفا طبيعيا للأشجار والنباتات الاستوائية في شكل بيوت بلّورية عملاقة تدخلها فتسافر بك على الفور إلى مناخات استوائية ومدارية حتى تنسى أنّك في فرنسا ويهيّأ لك أنّك في جزر القوادلوب أو لاروينيون. حرارة حارقة ورطوبة خانقة وأشجار عملاقة وغريبة وأزهار لا حصر لها. تنتشر في أرجاء المنتزه أقفاص ومساحات مهيّئة للحيوانات البرّية: أسود وفيلة وزرافات وقردة وثعالب وذئاب وضبى وكواسر وزواحف. المقاهي والمطاعم متناثرة في كل أنحاء المنتزه تقدّم أكلات صحّية لا صلة لها بالنهم والشراهة والابتزاز التجاري. سلطات بديعة التشكيل والمذاقات بأثمان مدروسة لا شطط فيها، كما لو أنّ أصحاب تلك المحلاّت مكلّفون من السلطة العمومية بالتثقيف الصحّي وليسوا تجّارا. فضاءات ألعاب لجميع الأعمار، ملاعب تنس وكرة طائرة ومضمار عدو ومساحات ترابية للكرة الحديدية ومضمار للدراجات الهوائية وألعاب للأطفال. وخيول قزمية من فصيلة البوناي لركوب الأطفال مقابل معلوم زهيد. أعوان لرعاية المنتزه وصيانته بزي مميّز يجوبون أركانه على متن الأحذية الزلاّقة والدراجات الهوائية والسيارات الكهربائية الصّامتة وصديقة البيئة، مبتسمون دوما ولطيفون لا يبخلون بمعلومة على من يطلبها ويعرفون كيف يروّضون من لا يحترم النظام. نساء ورجال من جميع الأعمار يهرولون على مضمار العدو في كلا الاتجاهين عازلين أنفسهم عمّا يحيط بهم بسمّاعات مثبّتة في آذانهم. عشّاق يتناجون ويتبادلون القبل في الكراسي الخشبية.
لهذا المنتزه أبواب رئيسية أربعة: باب القبو ويفتح على شارع ستالينغراد ناحية نادي التنس ومدرسة علوم المعلومات والمكتبات بفيلوربان المدينة المتاخمة لمدينة ليون. يفتح الباب الثاني على جادّة لورون بونفاي حيث يقع قصر المؤتمرات ومتحف الفن المعاصر، أمّا الباب الثالث فيفتح على شارع أناتول فرانس المتقاطع مع جادّة البلجيكيين حيث يقع متحف غريفان. فيما يسمّى الباب الرّابع باب أبناء الرّون ويفتح على شارع رئيسي بمدينة ليون هو شارع بريطانيا العظمى المحاذي لنهر الرّون. تمتدّ على طول هذا الشارع أشجار عملاقة تحظى بعناية لا يلقاها البشر في بلداننا. إذ تحمل كل شجرة صفيحة معدنية مدّون عليها تاريخ غراستها والأمراض التي أصيبت بها ومختلف التلاقيح والعلاجات التي خضعت لها. تمشي في هذا الشارع مستمتعا بخشخشة الأوراق تحت قدميك كما لوكنت تمشي على زربية من البسكوت، وعلى يمينك تربض هضبة فورفيار المكلّلة بكاتدرائية شامخة  تحرس المدينة العتيقة (ليون العجوز) النائمة في وداعة واطمئنان بين سفح الهضبة ونهر السون، شقيق الرّون.