vendredi 4 décembre 2015

اليوم الأوّل في بانكوك

تطلّ برأسك من باب الطائرة مستعدّا للنزول نحو الحافلة الرابضة أسفل المدرج بانتظار القادمين. تلفعك حرارة غير عادية في وجهك لتوقظك من خدر الهواء المكيّف داخل الطائرة. رطوبة مرتفعة حتى تكاد لا تظفر بشيء وأنت تستنشق الهواء بمنخريك المفتوحين على أقصاهما كمنخري بغل. لا يسعفك فمك الذي تفتحه متلقّفا الهواء وقد أطبق عليك الاختناق بغير بخار مثقّل بالماء كبخار الحمّام. بعض ثوان كافية كي تحسّ جلدك دبقا وملابسك ملتصقة بجسدك. رئتاك تتحوّلان من اسفنجتين ليّنتين إلى بالونين من الكاوتشو السميك والمتيبّس. "ما الذي دعاني إلى القدوم إلى هذا البرّ البعيد؟؟". وفي الخطوات الفاصلة بين مدرج الطائرة وباب الحافلة، تدرك معنى كلام الراضيين عن استحالة لعب الكرة في مثل هذا المناخ المداري. تسترجع شيئا من حيويتك لمّا تصعد الحافلة، ويسعدك أن تتواصل الانتعاشة في فضاء المطار المكيّف. ولكنّ مغادرتك للمطار ترجعك إلى معاناة البحث اليائس عن النفس.
تستقلّ سيّارة تاكسي وتناول السائق ورقة عليها اسم النزل وعنوانه، فيشغّل مروحة كهربائية صغيرة مثبّتة أمامه قبل أن ينطلق. يقود التاكسيست سيارته بسرعة جنونية رغم حالة الازدحام في الطريق. تحس بعدم التوازن وبالعالم معكوسا من حواليك، فتشغل نفسك بالتطلّع من خلال النافذة. لكنّ ذلك الإحساس بعدم التوازن يتضاعف ويحاصرك حتّى تنتبه إلى أنّ كرسي السائق على يمين السيارة وأنّ هذا الأخير يستخدم يده اليسرى لتحريك مقبض السرعة. ثمّ تلاحظ أنّ السيارات تلزم اليسار عكس ما تعودته في بلدك. في بانكوك، تقدّم الدراجات النارية كذلك خدمة التاكسي. يلبس صاحب الدراجة التي تحمل لوحة مميّزة، خوذة خاصّة ويضع قناعا قماشيا يقيه من دخان السيارات، ويقف في انتظار الحريف محترما دوره في الطّابور. تمرق هذه الدراجات بجانب سيارة التاكسي بسرعة جنونية والحريف جالس وراء السائق يطوّق حزامه بذراعيه. 
الطرق السيّارة في هذه البلاد العجيبة تخترق قلب المدينة التي تعجّ بناطحات السحاب العصرية والمجاورة للأحياء الشعبية. تمرّ سيارة التاكسي على جسور معلّقة بين العمارات القريبة من بعضها فيمكنك أن ترى تفاصيل البيوت من الداخل. تتحوّل شرفات شقق الطابق الرابع إلى امتداد للطريق السيارة بالعرض فيبدو أصحاب البيوت وهم يتّكؤون على الشرفات كمارّة واقفين على جانبي الرّصيف. 
نساء مقرفصات أمام قصاع كبيرة لا تتبيّن محتوياتها يلحن من وراء مستنقعات تكسوها الطّحالب الخضراء وينمو على جنباتها نبات القصب السكّري. اللافتات الإشهارية لماك دونالدز وكوكاكولا وكنتاكي منثورة على طول الطريق. يخاطبك التاكسيست بلغة إنجليزية غير مفهومة ويبتسم في وجهك بحماقة. تردّ له الابتسامة بجرعة أكبر من الحماقة. لكنّه يصرّ على الاستمرار في التحدّث إليك. يخرج من درج الباب دفترا ضخما يناولك إياه منتظرا منك أن تتصفّحه. "تاي ماساج، تاي ماساج" يردّد السائق لمّا يلاحظ تفاجئك بصور الفتيات في ذلك الدفتر الألبوم...
تقف التاكسي أمام الشيراتون بالاص فتدلف إلى الدّأخل بأقصى سرعة طلبا للتكييف. تتمّ إجراءات القبول وتتسلمّ مفتاح غرفتك بالطابق الخامس. وأنت تتعجّل الوصول إلى الغرفة كي تأخذ دشا باردا، ترافقك في المصعد فتيات آسياويات من ذوات العيون المسحوبة إلى جانبي الوجه ناحية الناظرين، حتّى تبدون أقرب إلى العصافير منهنّ إلى الكائنات البشرية. 
من وراء النافذة حيث تقف لتجفيف شعرك، تلقي نظرة على حديقة النزل فتلمح رجلا وامرأة يتعبدّان أمام مصلّى بوذي صغير تحت رذاذ المطر. يغريك المنظر بنزهة خاطفة في محيط النزل، فتصرف النظر عن مشروع الإغفاءة وتترك محتويات الحقيبة منثورة على الفراش وتغادر الغرفة. 
أمام المصعد تلتقيك نفس الفتيات الساحرات بابتساماتهنّ المغرية وتنوراتهن الأسكتلندية القصيرة. دمى بشرية من فرط الظرف واللطافة تزقزق إذ تتكلّم أو تضحك. وحالما ينغلق عليكم باب المصعد، تبادرك إحداهنّ هذه المرّة "تاي ماساج، تراي إيت، إيتس فيري غوود فور يو" وتزقزقن جميعا كعشّ من الفراخ الضاجّة.
تتّجه إلى البار لتطلب بيرة تبلّ بها حلقك الذي جفّفته العصافير. تجثم النادلة على ركبتيها لتقدّم لك كأس المشروب الأصفر تتصاعد من أسفله كريّات غاز بيضاء... يزداد جفاف حلقك، وأنت تلاحظ هذه الطقوس على خلفية موسيقى خافتة. كأس أولى ثم ثانية ثم ثالثة فرابعة، والنادلة تكرّر نفس الحركات كراهبة. وزقزقات عصافير الماساج التايلاندي القابعات هناك في صالون الزاوية المقابلة تحتدّ أكثر فأكثر، وملامحهنّ تغيم لتتحوّلن إلى أطياف....
بخار يعتّم قاعة الصونا وموسيقى صينية تسيطر عليها أصوات المزامير والنواقيس. روائح أشجار غابية وأعشاب حارّة تخترق أنفك تتبيّن منها روائح الصنوبر والكالاتوس والإكليل والزعتر ولا تتعرّف على البقيّة. يد ناعمة تمسكك من كتفك برفق وتمدّدك على مصطبة خزفية لتهرق على جسدك خليطا من زيوت الريحان والمنتهى والسمسم والينسون والقرنفل وتوزّعها على كامل جسدك بحركات سريعة وناعمة براحتي يديها، فتشعر بمسام جلدك تنفتح والهواء يخترقها. بعد ذلك تطليك بطبقة سميكة من الطّحالب والأوحال قبل أن تبخّ عليك هواء ساخنا، يجعل جلدتك تشدّ وعضلاتك تتقلّص. ربع ساعة تدعوك بعدها المدلّكة بحركة دونما كلام إلى الغطس في حوض ماء بعمق متر. تستجيب بهدوء راهب في معبده وتتحرّك بانسجام مع إيقاع الموسيقى وبعينين نصف مغمضتين. تجلس على حافة الحوض وتبدّل الخطو نازلا درجاته والمدلّكة تمسك بيدك لمساعدتك.
"كم ستكلّفني هذه الحماقة من دولار يا ترى؟؟ لا وقت لهذه الحسابات الخسيسة أيها الأحمق، لا تفسد متعتك. استمرّ في ما أنت فيه" "العزى فيك وفي والدين أمّ الدولارات، شعرة لا زلقت وساقي مشات" "سورّي سورّي، أي نيد تو غاو تو ذي تُويْلِتْ" "ينعل دين أم البيرة، آش تبوّل" ومن زاوية معتّمة يأتيك صوت "باباباباباب، حتى في قلب حمّام مظلّم في طرف الدنيا تلقى تونسي يا بوقلب، برجولية مخّي وقف... ولد بلادي آش جاب غربتك لها البلاد؟ برّة برّة بول، وارجع كمّل مسّاجك، راك مازلت ما ريت شيء... أمّا ما نوصّيكش، ردّ بالك من السيدا"

mardi 1 décembre 2015

صيّاد الأفكار

كان يتناول قرن البازلاء ويلوي أحد طرفيه لينفلق بطن القرن بفعل الضغط كاشفا عمّا في جوفه من حبيبات خضراء متلألأة. ينطّ بعضها ليسقط في الإناء فيما يبقى بعضها الآخر معلّقا بخيط نباتي رفيع في الجانب الباطني من القرن. يمرّر حسّان سبّابته في جوف القرن كالجرّافة ليمسحه ويخلّص الحبيبات العالقة فتسقط في الإناء لتلتحق بمثيلاتها.
كان هذا التكليف في بداية التحاقه بمركز إصلاح الأحداث الجانحين بمثابة حصّة تعذيب قاسية. فلا صبر له ولا قدرة على تحمّل تكرار نفس العمليات الدقيقة واليدوية. ذلك يصيبه بالملل ويفقده أعصابه لأنّه لم يخلق لمثل هذه الأعمال التافهة. هذا فضلا عن أنّ كلّ حبّة بازلاء تنطّ خارج الإناء وتقع على الأرض، كانت تترجم إلى عقوبة رياضية بدنية قاسية.
يتذكّر كيف كان يثور في وجه أمّه كلّما طلبت منه أمرا كهذا متعلّلا بأنّ ذلك شغل صبايا ونسوان، أمّا الرجال فشغلهم التفكير. كانت تلك تعلّاته لمغادرة البيت والالتحاق بأقرانه في الزوايا المظلمة من الحي، حيث يمارسون جميع أنواع الشقاوات. كان لا يطيق البقاء لوحده. يتصوّر أنّ خمس دقائق من العزلة كفيلة بإزهاق روحه، لأنّه يحسّ فعلا بالضيق والاختناق كلّما وجد نفسه وحيدا. كان يهرب إلى الجماعة حيث المرح والمغامرات والبطولات. هذه البطولات هي التي قادته هو وجميع من يحيطون به إلى هذا المركز الإصلاحي. وها هو وجها لوجه مع واجب تقشير البازلاّء القاتل، دون أن يمكنه الرّفض.
لكنّ تكرّر تنفيذ ذلك الواجب في مركز الإصلاح وبذلك القدر من التركيز جعله يكتشف أنّ الأعمال الدقيقة والمتكرّرة وسيلة منشّطة للتّفكير ومساعدة على التأمّل. ومن يومها صار مغرما بتقشير البازلاء وبفرز أوراق البقدونس وبتنقية أكداس العدس من السوس والحصى. وفي المقابل، تراجع ميله إلى أنشطة التحدّي البدنية. فقد صارت الأشغال اليدوية الدقيقة والمتكرّرة بالنسبة إليه منطلقا للانغماس في ذاته والحفر عميقا في طوايا شخصيته. من خلالها أمكنه إيقاظ تفاصيل نائمة في زوايا الذاكرة نبّهته إلى حماقات ارتكبها وأجبرته على مراجعات واعترافات صادقة. كم قطّا عذّب هو ورفاقه؟ وكم عقب سيجارة جمعوها ودخّنوها؟ وكم ناقوسا قرعوه ليوقظوا أهل البيت في عزّ القيلولة؟ وكم تلميذا سلبوا وهو عائد من مدرسته؟ وفي حالات أخرى كثيرة، كانت تأمّلاته تطوّح به في تهويمات وأسئلة فلسفية لا طاقة له على تفكيكها وفهمها بوضوح. ولكنّ غموضها وعجزه على استكناهها لا ينقصان من سحرها وانجذابه إلى الغوص فيها. كان يمسك مثلا قرن البازلاّء ويتساءل عن الأيادي التي مرّ بها قبل أن ينتهي بين أصابعه. فقد حصده فلاّح ما في مكان ما من هذه البلاد، وباعه في سوق الجملة حيث اشتراه خضّار وأعاد بيعه إلى إدارة المركز ليتولّى تقشيره هو ويفرّق بين الحبيبات المدسوسة داخله كالأخوات، وستنتهي كل منها في فم شخص مختلف. وأحيانا أخرى، كانت تنتابه الرّغبة وهو ينقّي حبّات العدس من الشوائب أن يقوم بعدّها حبّة حبّة. فيبتسم ثم يواصل عمله وهو يميل رأسه يمينا وشمالا استغرابا لأفكاره.
يفهم الآن غرام أولئك الذين يصطفّون كل عشية على ضفاف بحيرة تونس مولّين ظهورهم لسكة الحديد والطريق الموازية لها وهم جالسين في صمت متباعدين بعضهم عن بعض يلاعبون الأسماك التي تعلق بصنّاراتهم. كم مرّة رأى بعضهم يخلّص السمكة من الشص ويعيدها إلى الماء... يدرك الآن أنّ انتظار "المسّ" ليس سوى تعلّة لترويض النفس القلقة واستدراجها إلى رحاب التأمّل والفكر.
يوم تسريحه، راودته فكرة أنّه يقشّر آخر قرن بازلاء في المركز. ولكنّه ابتسم لمّا أدرك أنّ آلافا من قرون البازلاّء وملايين من حبّات العدس تنتظره في الخارج، ومعها ساعات ممتعة من العزلة والتأمّل والتفكير. ثمّ قرّر أن يكون أوّل شيء يفعله هو اشتراء صنّارة ومعدّات لصيد الأفكار...

dimanche 22 novembre 2015

ثورة النهود

لمّا رنّ منبّه الآيفون، كانت الأمّ تغطّ في نومة عميقة وحلمة ثديها في فم البنيّة التي كانت ترضع وتخرخر بصوتها كقط وتخدش بأظافرها الحادّة صدر أمّها. لعنت الأمّ في سرّها هذا الجهاز الذي رنّ في يوم عيد الثورة فحرمها من النوم على راحتها ومدّت نحوه يدها لتخرسه وعيناها لا تزالان مغمضتين. ثمّ ناولت الجهاز للبنيّة كي تلهيها عن الرضاعة وتكفّ عن خدشها بأظافرها واسترسلت في النوم باستمتاع على غير عادتها وهي المجبرة على الاستيقاظ باكرا كلّ يوم لتجهيز البنيّة واصطحابها إلى محضنة الأطفال قبل التوجّه إلى مقرّ الوزارة حيث تعمل... لم يكن ذلك حال زوجها الذي كان مضطرّا يومها إلى الاستيقاظ باكرا للمشاركة في الموكب الرّسمي لتقديم التهاني باعتباره يشغل خطّة سامية بوزارة الصحّة.
لمّا شبعت الزّوجة نوما، غادرت فراشها وأعدّت قهوة جعلت تترشّفها باستمتاع وهي تتابع النقل التلفزيوني الحي لموكب الاحتفال. ثم شغلت نفسها بقضاء بعض الشؤون المنزلية في انتظار عودة زوجها الذي وعدها بخرجة إلى الشارع الرئيسي بالعاصمة للمشاركة في الاحتفالات الشعبية بالثورة...
من الغد، ولمّا كان الزملاء يهنّؤون بعضهم البعض بعيد الثورة، انحنى زميلها ناحيتها ليوشوش لها في أذنها: "صدق من قال إنّها ثورة النهود". لم تدر كيف صفعته صفعة جعلت جميع من في القاعة يلتفت نحوهما. ثمّ صاحت في وجهه "أنت وقح، فادية حمدي أشرف منك أيّها النّذل" ثمّ خاطبت زملاءها لتعيد على مسامعهم جهرا ما قاله لها همسا، وتوجّهت إلى زميلها الذي كانت تبدو عليه علامات الصّدمة والذهول وهو لا يزال واضعا كفّه على خدّه المصفوع ثمّ قالت له "ستدفع غاليا ثمن تطاولك عليّ وعلى الثورة يا كلب..." 

وأمام موجة الاستنكار والسخط التي عمّت الحاضرين، صدح الموظّف بهدوء: "زملائي الكرام، لن أحرق نفسي لأنّني  تلقّيت صفعة من امرأة مثلما فعل محمّد البوعزيز. لا يغرّنكم هذا الدّور الذي تلعبه أمامكم زميلتكم... كيف تريدون منّي أن أتصرّف مع من أرسلت لي صورة  تكشف عن نهدها وهي ملقاة على السرير في ملابس النوم، صباح عيد الثورة !؟" ثمّ لوّح بجهاز هاتفه مبديا استعداده أن يطلعهم على الصّورة مع بيانات الإرسالية من مصدر وتاريخ وتوقيت...

samedi 7 novembre 2015

سرّ القبر

تردّد الرّجل كثيرا في إعلام زوجته بالأمر. فقد لا يزيده تفاعلها إلاّ حيرة. إذ ما عساها تفيده به سوى أن تضرب يدا بيد في لوعة وتسرف كعادتها في إشعاره بالذنب وبسوء التقدير؟
فكّر أن يستشير الإمام، فربّما أفتى بفتح القبر وعندها لن يبقى عليه سوى استصدار ترخيص بذلك من السلط الإدارية. ولكن، ماذا لو أفتى الإمام بعكس ذلك، وصرّح بعدم جواز فتح القبر؟؟ كيف سيتصرّف في تلك الحال؟ وقبل ذلك كلّه، من يضمن أنّ الإمام سيجرؤ على فتح فمه أصلا بعدما حصل الذي حصل؟ لو كان شجاعا لتحدّى قرار الجماعة وخرج إلى الصّلاة على الميت وأشرف بنفسه على مراسم الدفن كما تعوّد أن يفعل...
اقشعرّ جلده رعبا لمجرّد أن راودته فكرة نبش القبر بنفسه خلسة ودون إعلام أحد. فهذه مغامرة غير مضمونة العواقب. فمن سيصدّق روايته لو اكتشف أحدهم الأمر؟
ماذا لو اكترى ولد الحفيانة ليقوم بالمهمّة؟ لا، لا، لا ما هذه الحماقة؟  منذ متى كان للمنحرفين عهد وأمان؟ أمثال هؤلاء لا يؤتمنون على الأسرار؟ 
ما هذا القدر الأخرق الذي جاء به من فرنسا في ذلك الوقت ليدفع به إلى تولّي إنزال الميّت ووضع اللحود عليه؟ ولكن هل كان ممكنا ألاّ يفعل؟ فالحاضرون يومها قليلون ولم يتقدّم أحد منهم للقيام بالمهمّة... ألا يكفي أنّ السلفيين منعوا الصلاة على صديق عمره ومنعوا دفنه في المقبرة، فخاف أغلب أهل القرية ولم يخرج في جنازة الميّت سوى شقيقاه وصهره لتنضاف هذه المشكلة؟
في الأخير اهتدى إلى أنّه لا خيار له سوى إعلام مركز الحرس الوطني، وهم سيجدون له حلاّ... نعم، سيكتفي بإبلاغ السلطة دون إفشاء الأمر بين الناس، وعندها سيتخفّف من العبء الذي سينتقل من على كتفيه وضميره إلى مكاتب السلطة وملفّاتها...
مرّ إلى التنفيذ بسرعة مخافة أن يغيّر رأيه من جديد فتستبدّ به الحيرة. أفاده رئيس مركز الحرس الوطني أنّ عليهم الانتظار أكثر من أسبوعين قبل وصول إذن وكيل الجمهورية بفتح القبر.
واصل حياته عاديّة عملا بنصيحة رئيس المركز حتى لا يلاحظ عليه أحد أيّ تغيّر. وبادر إلى الاتصال بشركة الطيران ليؤجّل تاريخ تذكرة العودة إلى فرنسا بشهر... لم تقتنع زوجته بتبريره لتمديد بقائه بينهم بكونه لم يشبع من الأسرة والأهل... واحتارت بين أن تفرح بذلك وأن تتشاءم منه... فالرّجل ما انفكّ يشتم البلاد وأهلها ناعتا إياهم بالتخلّف والانحطاط، ولا يخفي احتقاره للسلفيين الذين يسيطرون على القرية وهو ما قد يعرّضه إلى مكروه. خمّنت في خاطرها: "من الأفضل أن يعود إلى بلاد العكري بأسرع وقت. ولم لا يتدبّر حاله ويأخذنا معه لنستريح من هذه الغمّة؟"
فرح الزوج لمّا جاءه عون الحرس باستدعاء إلى المركز، وفهم أنّ الترخيص بفتح القبر قد وصل ومعه الخلاص من الورطة، فسارع إلى مرافقة عون الحرس.
استقبله رئيس المركز ليعلمه أنّهم اتّصلوا بالترخيص من يومين وأنّهم قاموا بفتح القبر ليلا ولم يجدوا حافظة أوراقه هناك. فأظلمت الدنيا في عينيه وثار في وجه رئيس المركز: "ولكنّني متأكّد أنّ حافظة أوراقي سقطت مني هناك لمّا سجّيت الميّت في قبره. جميع وثائقي فيها. جواز السّفر وبطاقة الإقامة في فرنسا، وبطاقة البنك وأوراق السيارة وبطاقة التغطية الصحية... حياتي كلّها هناك؟ كيف سأتصرّف الآن؟ كيف؟"... انتظر  رئيس المركز أن يهدأ الرّجل ليقول: "المشكل الأكبر ليس في ضياع الأوراق، ولكن في كوني مضطرّ إلى إيقافك وإحالتك على التحقيق بسبب البلاغ الكاذب، وإزعاج السلطة". وأشار إلى الأعوان للاحتفاظ به...

jeudi 5 novembre 2015

بنت الحي

لمحها منذ اليوم الذي سكن فيه الحي الشعبي حيث تمّ تعيينه للعمل بالمدرسة الابتدائية. من يومها صار يجلس إلى تلك الطاولة بالمقهى على جادّة الرّصيف ليرقبها في غدوّها ورواحها إلى حانوت حمدة العطّار وهي تتبختر في ذلك الجوغينغ الضيق وذلك النعل الطري كاللسان... تعجبه تلك الفولارة المربوطة إلي يمين الجبين واستدارات الجسد تحت القماش القطني الرمادي وطقطقات النعل وهو يصفّق على القدمين كلّما بدّلت الخطو وفرقعات العلكة التي تلوكها في فمها.
حذّره بوجمعة نادل المقهى من خطورة الاقتراب من أخت "إسكوبار" لمّا لاحظ ولهه بالبنت، فاكتفى منها بلذّة النظر الحارقة... وظلّ على تلك الحال أسابيع والبنت المتفطّنة إلى ورطته تزيد من دلالها كل يوم أكثر، مثبّتة عليه نظرات جسورة تدعوه إلى مفاتحتها بالحديث، وهو يردّد في سرّه:
"وإني امرؤ مولع بالحسن أتبعه
ليس لي فيه سوى لذّة النظر"
حتّى كان أن فوجئ بها ذات يوم، وهو جالس في مكانه بالمقهى عند الضحى، تتوجّه إليه طالبة في دلال: "أمان، ممكن تسلّفني تلفونك نقول كلميتين لأمّي في المستوصف؟" ناولها التلفون بيد مرتعشة وحلق جاف وسمعها تقول للطرف الآخر على الخط: "موش لازم تزرب روحك وتجي، الجماعة هاهم وصلوا"، ثم أعادت إليه الجهاز وشكرته بابتسامة آسرة وانصرفت مطلقة العنان لنعلها كي يصفّق.
عاد إلى المنزل وقد قرّر تمتيع نفسه بيوم عطلة في انتظار أن يحتفل بالحدث السعيد بدعوة زميله إلى تقاسم بعض القوارير الخضر في حانة الشيلينغ... استلقى على فراشه مستحضرا ما دار مع البنت وهو يتخيّل نفسه معلّما في فلم مصري جالسا إلى مقهى شعبي في القاهرة بطربوش تركي مائل وبشاربين نحيفين وشادية في دور البنت اللعوب تمرّ أمامه مغطّاة بعباءة سوداء وشال مطرّز بالأزهار الملوّنة ملقى على الكتفين... كان يردّد بصوت مرتفع "ماذا قلت؟ ماذا قلت أيّها التافه بوجمعة؟؟ أعد لي من فضلك، لم أسمعك جيّدا.. عليّ ماذا؟؟ أن أبتعد عن أخت أسكوبار!؟ تريدها لنفسك أيّها الأحمق، أليس كذلك؟ يالك من أحمق تافه...هاهاها..." وإذا بباب الشقّة يدكّ فجأة بضربة ساق عنيفة خلعت دفّتيه وبثلاثة رجال يدخلون عليه ليطوّقوه ويشلّوا حركته قبل أن يضعوا الأصفاد في معصميه ويقتادوه إلى مركز الأمن. هناك أعلمه الضابط أنّه لا جدوى من الإنكار لأنّ لديهم قائمة بأرقام هواتف جميع من اتّصلوا بإسكوبار مروّج المخدّرات على مدى الأسبوع الماضي.
حينها لعن المعلّم نفسه على إساءة الظنّ ببوجمعة.

dimanche 1 novembre 2015

القطار لا ينتظر أحدا

قد لا يرى فيها الآخرون سوى تفاصيل صغيرة لا قيمة لها، ولكنّها ترتقي عنده إلى مرتبة الطقوس. لا يمكنه أن يسافر دون أن يحمل معه أشياءه البسيطة ويتّخذ جملة من الاحتياطات... طقوس ورثها عن والديه في تعاملهم مع السفر على قطار الثالثة فجرا الذي يشقّ بطن الجبال لينقل المسافرين من الغرب الأجرد القاحل إلى جهة السهول الشرقية حيث تتسلسل القرى والمدن الحيّة الموصولة بمزارع الزيتون الممتدّة على طول الساحل في أرض طينية حمراء وطرية تسلب النظر...
ورغم تطوّر العصر وتكاثر وسائل النقل وتنوّعها، فلا أحد تجرّأ على المساس بقطار الثالثة فجرا. لا الشركة حذفته رغم قلّة مسافريه ولا هو استبدله بحافلة الثامنة صباحا أو بسيارات الأجرة. ظلّ مشدودا إلى تلك الرّائحة، رائحة الناس الطيّبين المعشّشة في خشب المقاعد الهرمة، ومفتونا بإيقاع العجلات الحديدية الرتيب وهي تنزلق فوق عمودي الفولاذ الممتدّين كثعبان. هناك فقط يمكنه أن يسمع تلك الصافرة المبحوحة التي تصل الأمس باليوم فتبقي على الذاكرة حيّة.
رتّب في جرابة القماش التي ورثها عن أبيه زاد المسافر من طعام وأدوات ورثها كلّها عن أبيه. بيضتان مسلوقتان وسندويتش السردين المصبر الممزوج بالهريسة والزيت وترموس القهوة الساخنة وحاوية الماء البلاستيكية ذات الحزام الجلدي الذي يسمح بتعليقها على الكتف على طريقة رعاة البقر في أفلام الوستارن... تفقّد حافظة أوراقه قبل أن يدسّ فيها حبّتي أسبرين. لم ينس معطفه الصوفي الذي تعوّد أن يأخذه أّيّا كان حال الطقس. فهو كما يقول والده عن برنسه الصوفي الثقيل أمان ضدّ تقلبات المناخ في بلاد الناس وهو إلى ذلك وسادة في القطار وسترة في حال تمزّق السروال أو علق به وسخ ما. تحسّس جيب المعطف الداخلي ليتأكّد من وجود مطوى البوسعادة ذي مقبض العاج البني الأملس... فهو أداة لا غنى عنها عند رجال الصحراء. لكنّه أضاف لطقوس أبيه أن حمل مجلّة أدبية وكتابا. قبل مغادرة البيت دخل مرّة أخيرة إلى بيت الرّاحة ليتفقّد نفسه ويجبرها على إفراغ ما في جوفها بالكامل، فليس أسوأ من أن تداهمك الحاجة وأنت في غير مكانك. بعد ذلك، تفقّد الشبابيك واسطوانة الغاز وعدّاد الكهرباء ليحكم إغلاقها، ثمّ أدار المفتاح في القفل وتوجّه إلى محطّة القطار قبل موعد انطلاقه ب
ساعة، عملا بقاعدة والده بأنّه على المسافر انتظار القطار لأنّ القطار لا ينتظر أحدا..
ابتسم بانتشاء إذ فكّر أنّه يفعل كلّ ذلك كما لو كان مسافرا إلى مدن أقصى الشمال والحال أنّ رحلته لا تتجاوز مدينة قفصة التي تبعد أقلّ من ستّين كيلومترا عن قريته.
لفعته نسمات الفجر الباردة فنشّطته وجعلته يحثّ الخطو لتجاوز الزقاق الضيّق المظلم والوصول إلى الشارع الرّئيسي المضاء. لم يكن يدري أنّهم سيعترضونه في ذلك المكان وفي ذلك الوقت، كما لو كانوا في انتظاره. حدس أنّ خطرا يتربّص به ما إن لاحظ أحدهم يتقدّم نحوه فيما تأخّر البقية، وكانوا جميعا حريصين على تغطية وجوههم بطرابيش برانيسهم.
"وين على خير؟ ما تقولّيش ماشي تصلّي الفجر حاضر، في بالنا بيك شيوعي ثابت على المبدأ" بادره الشخص المتقدّم نحوه وهو يسدّ عليه الطريق. لمعت في ذهنه جملة مظفّر النوّاب "في الرياح السيّئة يعتمد القلب"، وقدّر أنّ له أولويتان: الأولى هي أن ينقذ جرابته والثانية هي أن يستدرج مخاطبه إلى مزيد من الكلام عساه يتعرّف عليه من صوته في انتظار أن يتبيّن مسلكا للنّجاة. رمى الجرابة عبر الجدار المحاذي فوقعت في فناء منزل نجاة عاهرة الحي. وواجه محدّثه: "ما الذي تريدونه منّي؟ أنا لا أعرف منكم أحدا، تنحّوا عن طريقي". ولم يكد ينهي جملته حتّى جاء الجواب من بيت نجاة التي فتحت بابها لتطلق كلبا ضخما وشرسا في اتجاه السلفيين الذين أطلقوا سيقانهم للرّيح... كان الأستاذ يرتجف كالقصبة حين التحقت به نجاة.
دعته في حنان آسر إلى استرداد أنفاسه داخل منزلها بعيدا عن أنظار مصلّي الفجر، فلم يفكّر في الممانعة... اعتذرت نجاة عن سوء ترتيب البيت وبساطته وأخبرته أنّ نفس الجماعة زاروها قبل أسبوع ليدعوها إلى التوبة ويعرضوا عليها السفر إلى بلاد الجهاد فهذا كما قالوا لها أحفظ لشرفها وأوفر كسبا. قالت وهي تناول الأستاذ جرابته وتتّجه نحو المطبخ: "دقيقة، سأعدّ قهوة ساخنة على السّريع وأعود". لكنّ الأستاذ أمسكها من معصمها وفتح الجرابة ليتناول الترموس ويصبّ لها كوبا من القهوة... ثمّ أضاف في مكر: "معي أيضا بوخا تبعث الدفء في الجسد" ملوّحا بحاوية الماء ذات الحزام الجلدي. ابتسمت نجاة وردّت بتنهيدة مثيرة: "الدفء؟ لا دفء لامرأة واطئة الجدار..." ثمّ أضافت بدلال وهي تمسح على ظهر الكلب الذي هدأ وأقعى بجانبها "لا تؤاخذني يا أستاذ، فأنت ما شاء الله مثقّف وتفهم كل شيء... أنا لا أجد دفئي إلاّ في هذه "الزّائلة" البكماء التي تحميني من الكلاب البشرية"...
لمّا رفع المؤذّن صوته مناديا لصلاة الفجر، أطلق القطار صافرته المبحوحة معلنا انطلاقه، وانتفض كلب نجاة يتفاعل بنباح حاد ومتواصل. تمتم الأستاذ "فعلا، القطار لا ينتظر أحدا"...

samedi 17 octobre 2015

بنت الباساج

بي رغبة أن أسمّيها أمّ الباساج أو ملكته، فهذا أدقّ وأنصف لها... لست أعرف إن كنت قد عرفتها فعلا أم أنّها من نسج خيالي. لكنّ الثابت أنّ لها في الحالتين وجها بملامح واضحة وجسد وشخصية بسلوك ومواقف وردود أفعال معلومة كلّها لديّ، ومسجّلة في دماغي وذاكرتي... وقد يكون من الواجب عليّ حين أعود في المرّة القادمة إلى تونس أن أذهب إلى حديقة الباساج للبحث عنها والتأكّد ممّا إذا كانت لا تزال هناك. سأهديها كرتونة مارلبورو ذات عشر علب وزجاجة فودكا... هدية هي أجدر بها من أي صديق رغم أنّني لا أضمن ردّة فعلها، فقد ترفضها وتبصق وتسبّ كعادتها، وقد تفرح بها... سأبحث عنها في الحديقة أوّلا، ثمّ في محطّة الحافلات، وإذا لم أجدها سأتوغّل في الأزقّة المتفرّعة عن نهج الملاحة حيث باعة اللبلابي والمسروقات الخفيفة والبيض المسلوق على نار الوبابير. هناك حيث تعوّدت المخاطرة بالمرور ليلا لأطمئنّ عليها... تصرف يومها متنقّلة في حافلات الشركة الوطنية المشتغلة على خط الباساج، تنزل من حافلة لتركب أخرى. لا تطلب إذنا من أحد. جميع السوّاق وقاطعي التذاكر والمسافرين يعرفونها.. وبصرف النظر عمّا إذا كانوا يحبّونها أم يشمئزّون منها فلا أحد يجرؤ على منعها من امتطاء الحافلة التي تريد. صارت علامة تجارية ملازمة لهوية الشركة وجودة خدماتها...لا تتسوّل أبدا. تعبر الحافلة مرّتين أو ثلاث مغنّية تارة، مطلقة ضحكات صاخبة أخرى، شاتمة أحيانا ولا تعبأ بمن يضع قطعا نقدية أو سجائر في جيبها... وفي الليل لمّا تتوقّف حركة الحافلات تنام في الحديقة مع كلاب الحراسة التي صادقتها وألفتها أو في الأزقة المجاورة... أذكر كيف مررنا بها أنا وصديقي الشاماكو ذات ليلة ماطرة وكان تبغنا ونقودنا قد نفذت. لمّا حيّاها الشاماكو وطلب منها سيجارة، دعتنا إلى تقاسم أنفاس السيجارة التي بين أصابعها لأنّها لا تملك غيرها. نزع صديقي الشاماكو جمّازته الجلدية ليغطيها بها وكنّا عائدين إلى بيتي بعدما تعشّينا وشربنا وغنّينا وقرأنا الشعر.. ومن الغد تفطّن الشاماكو إلى أنّه وهبها الجمّازة بما في جيبها الدّاخلي من أوراق ومن بينها نوطة موسيقية ومسودّة شعرية وبطاقة هويّته... لكنّه لم يجرؤ على إزعاجها بطلب الأوراق مخافة أن تظنّ أنّه ندم فجاء يسترجع جمّازته الثمينة التي ظلّت تلبسها شتاء وصيفا...
وكان أن غابت عن الأنظار سنوات. ظنّ أغلب من يعرفها أنّها ماتت. وقال آخرون أنّها عادت إلى أهلها في الجنوب. وأشاع البعض أنّها في السّجن. فيما روّج كثيرون أنّها تزوّجت. ولكنها عاودت الظهور في العام الثالث بعد الثورة، ب"نيو لوك": دون أسنان ولا شعر وبجسد منهك، ولكنّها كانت مرفوقة بطفل لم يتجاوز السنتين... لم يمرّ شهر على معاودتها الظهور حتّى فقدت طفلها. وفيما قال البعض أنّ الشرطة افتكّته منها لتضعه في دار الأيتام حفظا له من التشرّد الذي لا يليق بأبناء الثورة، أكّد آخرون أنّه سُرِق منها في غفلة منها... ومن يومها أصابها الخرس، وصارت متكوّرة على نفسها كالمصاب بالروماتيزم... أمرّ أمامها فلا تزيد عن أن ترمقني بنظرة صامتة من وراء تلك العيون التي خبا بريقها ثم تغمضهما كالمحتضر، كما لو كانت تنزل ستارة على المشهد الماضي وتدعوني إلى عدم النبش فيه وهي في ذات الوضع المتكوّر لا تبدي حراكا...
صوت عنيد بداخلي يصرّ ويدفعني إلى زيارتها ووضع كرتونة المارلبورو وزجاجة الفودكا هناك بجانبها والانصراف في صمت.... أمّا إذا لم تكن موجودة لأنّها ماتت أو غيّرت المكان، فلتكن رحمة على روحها موهوبة لعابري السبيل... سأفعلها وليكن ما يكون.

samedi 19 septembre 2015

كرسي التدليك

لست أعرف إن كانت إدارة الكلّية قد أحسنت صنعا بتوفير ذلك الكرسي في استراحة الأساتذة أم العكس. فقد سرى خبره منذ اليوم الأوّل لاقتناءه، وصار حديث الجميع في الكلية. كلّ من يجرّبه يصير يلهج بذكره أينما حلّ، وهو ما جعل الأساتذة والموظّفين يتقاطرون على فضاء الاستراحة لتجربته.
عرفتُ أنواعا كثيرة من الكراسي مثل كرسي طبيب الأسنان وكرسي الحلاّق وكرسي الاعتراف وكرسي الاسترخاء الشاطئي، الخ. وأدرك أنّه لا جدوى من محاولة تعداد جميع أنواع الكراسي ووظائفها لأنّها عديدة ولا حصر لها. ولكنّني أعترف أنّ كرسي التدليك الكهربائي مثّل اكتشافا بالنّسبة لي. وهو للحقيقة أعجوبة تكنولوجية.
يجلس الواحد على هذا الكرسي/الأريكة ويشدّ معصميه بحزام ويدسّ ساقيه في تجويف رخْوٍ سرعان ما يمتلأ بالهواء فينغلق على الساقين حدّ الركبتين. ومن خلال لوحة إلكترونية مثبتة بجانب اليد اليمنى، يستطيع المستخدم تعديل الجلسة وبرمجة مدّة التدليك وتضبيط نسقه وقوّته ونوع الموسيقى المرافقة. وبمجرّد الضغط على الزر الأخضر تنطلق كريات عديدة مثبتة تحت الغلاف الجلدي للكرسي الأريكة في الدوران والحركة في اتجاهات مدروسة تحاكي تضاريس الجسد وخارطة عضلاته فتداعبه في تناوب بين الحُنُوِّ والشدّة ومراوحة بين السرعة والبطء. تتوزّع حركة الكريات على كامل الجسد لا تخطئ فيه موضعا حتى تكاد تلامس المواطن الحسّاسة منه، فلا يلبث الجالس أن يأخذه الاسترخاء ويلفّه خدر لذيذ.

طالبت المدرّسات والموظّفات الإدارة بتخصيص حصّة للنّساء تجنّبا لحرج التدليك في حضرة الرجال، خصوصا وأنّ حركة الكريّات ودغدغاتها قد تجبر أحيانا مستخدم الكرسي على إتيان حركات بخصره وصدره تشبه الرّقص الماجن أو إطلاق ضحكات وإصدار زفرات وأنّات تذكّر بما يؤتيه الشخص عند ممارسته الجنس. وعلى دربهنّ سار الطّلبة الذين هدّدوا بالإضراب عن الدّروس إن لم توفّر لهم إدارة الكلية كراسي تدليك، ناهيك أنّهم أحوج من في الكلية إليها بحكم ضغط الدروس والامتحانات. ممّا دفع مجلس إدارة الكلية إلى عقد اجتماع طارئ لدراسة الأزمة.
يوم الاجتماع، قال وكيل الكلية لشؤون الموظّفين أنّ اقتناء كرسي التدليك لا يزال في طور التجربة. وبيّن أنّه يتنزّل في إطار سياسة الكلية الجديدة لإدارة الموارد البشرية بعد ثورة الحرية والكرامة. فبدل السياسة العقابية واقتطاع المبالغ من رواتب الموظفين بسبب التأخير والغياب، ارتأت الكلية أن تجرّب سياسة تعتمد على تحسين بيئة العمل  بما يشدّ الموظّف إلى مؤسّسته ويشجعه على قضاء أطول وقت في فضاءها بدل السعي إلى مغادرتها في أسرع وقت. وبعد ذلك قدّم وكيل شؤون الموظفين تقريرا تقييميا للتجربة أفاد من خلاله أنّ إدارة الكلية لم تكن تتوقّع ذلك النجاح للكرسي إلى الحد الذي انقلب فيه أحيانا إلى مصدر انزعاج لديها بعدما صار الأساتذة يمطّطون فترات الرّاحة ما بين المحاضرات ويتأخّرون في استئناف محاضراتهم.
وممّا جاء في تقرير وكيل شؤون الموظّفين أنّ التأخيرات في الالتحاق بالكلّية عند انطلاق الدوام الصباحي سجّلت تراجعا ملموسا، حيث صار الأساتذة يصلون إلى الكلية ساعة إلى نصف ساعة قبل انطلاق المحاضرات الصباحية ليصطفّوا في طابور الانتظار ويأخذوا حصّة التدليك اليومي التي صار بعضهم لا يستطيع الاستغناء عنها. ورغم أنّ تعليمات واضحة صدرت لإعطاء الأولوية للأساتذة على سائر الموظّفين، إلاّ أنّ كرسيا واحدا لا يكفي لتدليك جميع الأساتذة قبل انطلاق المحاضرات، خصوصا وأنّ من بينهم من لا يلتزم بالعشر دقائق المتّفق عليها فيبرمج حصصا تصل أحيانا إلى نصف ساعة. وختم وكيل شؤون الموظّفين تقريره بطمأنة ممثلي الأساتذة والموظّفين والطلبة أنّ الكلية لا تعتزم التراجع عن هذه التجربة وسحب الكرسي كما روّجته مؤخّرا عديد الألسنة الخبيثة على حد تعبيره، والتمس من المجلس المصادقة على برنامج لاقتناء كراسى أخرى وفق نسق يسمح بتركيز قاعة رجالية وأخرى نسائية في غضون سنتين. لكنّ ممثّل الطلبة اعترض على هذه الخطّة التي اعتبرها تهمل الطالب الذي يجب أن يكون محور العملية التربوية وغايتها الأولى والأخيرة، وطالب في المقابل بتعميم هذه الكراسي في جميع القاعات الدراسية حتّى يأخذ أبناء الشعب نصيبهم من التدليك الذي حرمتهم منه سياسة النظام البائد. كما شدّد ممثّل الطلبة على أنّ تحويل مقاعد الدراسة إلى كراسي تدليك لا يعطّل في شيء التحصيل المعرفي والتركيز الذهني للطلاّب، إذا ما تمّ تعطيل سمّاعات الإنصات إلى الموسيقى. وبعد ذلك أحيلت الكلمة إلى المشرف على الأمن والسلامة وصيانة المعدّات، فبيّن أنّ نسبة الأعطاب ضعيفة رغم ارتفاع الإقبال، باستثناء حالة عطب واحدة عزاها إلى كثرة حركة مستخدم بدين أثناء تشغيل الكرسي ممّا تسبّب في فصله عن الكهرباء وبقاء رقبة المستخدم مشدودة بين الكرات لفترة وجيزة أصيب أثناءها المستخدم بحالة هلع نفسي. ونصح مشرف الأمن والسلامة بتركيز لوحة تتضمّن تعليمات لسلامة وطريقة الاستخدام أمام الكرسي، كما نبّه إلى ضرورة تمتيع الكرسي بيوم راحة في الأسبوع يستغلّ للصيانة، وهو ما لا يتوفّر في الوقت الحاضر باعتبار كاميراهات المراقبة سجّلت استخداما مكثّفا للكرسي أثناء عطلة نهاية الأسبوع من طرف العمّال الذين لم يتورّع بعضهم عن استقدام أبناءهم وزوجاتهم للتمتّع بحصص تدليك. وهنا احتجّت ممثّلة الموظّفين على تصوير المستخدمين في مثل هذه الأوضاع الحميمية وطالبت بمنع التصوير. واختتم الاجتماع بتدخّل رشيق من عميد الكلية المنتخب الذي بيّن أنّه أكبر متضرّر في هذه المسألة باعتباره لم يجرّب إلى الآن هذا الجهاز، رغم أنّ طبيبه نصحه به لكثرة جلوسه إلى المكتب الإداري. وختم الاجتماع بإعلام الحاضرين أنّ الوزير أكّد له يوم تدشين الكرسي اعتزام الوزارة ترشيح الكلّية للفوز بجائزة نظام الجودة التي تسندها وزارة الشغل سنويا لأفضل المؤسّسات الوطنية في مجال إدارة الموارد البشرية.

تنويه: كل تشابه مع الواقع هو محض صدفة